منتدى منارة دشنا



 
الرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الحضارة المادية تدمر الانسان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
احمد يوسف
عضو مميز
عضو مميز


ذكر

العمر : 45
عدد الرسائل : 174
تاريخ التسجيل : 31/01/2009

مُساهمةموضوع: الحضارة المادية تدمر الانسان   3/4/2009, 7:27 pm

الحضارة المادية تدمر الإنسان

لم يكن بد، وقد شرد الإنسان عن ربه ومنهجه وهُداه.. وعبد الإنسانُ نفسَه واتخذ إلهه هواه ، وجهل الإنسان نفسه كذلك وراح يخبط في التيه بلا دليل ، وأقام منهج حياته على قواعد من هذا الجهل ومن ذلك الهوى ، واعتدى على فطرته التي فطره الله عليها.
ولم يكن بد وقد رفض الإنسان تكريم ربه له، فاعتبر نفسه حيواناً – وقد أراده الله إنساناً – وجعل نفسه آلة – وقد أراده الله مهندساً للآلة ، بل جعل الآلهة إلهاً يحكم فيه بما يريد. وجعل المادة إلهاً يحكم فيه بما يريد. وجعل الاقتصاد إلهاً يحكم فيه بما يريد – وقد أراد له ربه أن يكون سيد المادة، وسيد الاقتصاد. ولكنه رفض هذا التكريم كله .
لم يكن بد وقد جعل الإنسان من المرأة حيوانا لطيفاً – كما أن الرجل حيوان خشن – غاية الالتقاء بينهما اللذة، وغاية الاتصال بينهما المتاع،ونسى أن الله يرفع هذه العلاقة ويطهرها ويزكيها، وينوط بها امتداد الحياة من جهة، وترقية الحياة من جهة أخرى، ويربط بها عجلة التمدن الإنساني، ويجعل من الأسرة محضن المستقبل، ويجعل من المرأة حارسة المادة الإنسانية.. ويصونها من التبذل كي لا تكون مجرد أداة لذة، ويصونها من الاشتغال بإنتاج المواد في المصنع، وهى في الأسرة تنتج وتحرس مادة ((الإنسان)).
لم يكن بد وقد عطل الإنسان خصائصه ((الإنسانية)) ليحصر طاقته في الإنتاج المادي، وأقام حياته كلها على أساس مادي، وتصور مادي، وكبت الجوانب الحية المرفرفة اللطيفة في حسه.
لم يكن بد وقد أقام الإنسان نظامه على الربا – ليكد القطيعُ البشري كله في خدمة بضعة آلاف من مؤسسي البيوت المالية وبنوك المرابين، تعود إليهم حصيلة كد البشرية في أقاصي الأرض، وهم قابعون وراء المكاتب الفخمة، والنظريات الاقتصادية، وجميع أجهزة التوجيه والإعلام !
وفى النهاية .. لم يكن بد وقد اتخذ الإنسان له آلهة من دون الله، فاتخذ من المال إلهاً، ومن الهوى إلهاً، ومن المادة إلهاً، ومن الإنتاج إلهاً، ومن الأرض إلهاً، ومن الجنس إلهاً، ومن المشرعين له آلهة يغتصبون اختصاص الله في التشريع لعباده، فيغتصبون بذلك حق الألوهية على عباد الله.. كل هذه الآلهة اتخذها وعبدها، ليهرب من الله ويستنكف عن عبادته !!!
لم يكن بد وقد فعل الإنسان هذا كله بنفسه - و هو ينغمس في حمأة المادية - أن تحل به عقوبة الفطرة فيؤدى ضريبة المخالفة عن ندائها العميق.. وأن يؤديها فادحة قاصمة مدمرة ..
وقد كان ..
كان .. وأداها من نفسه وأعصابه. ومن بدنه وعافيته.. ومن سعادته وطمأنينته . ومن مواهبه وخصائصه . ومن دنياه وآخرته .
أداها – وفى الأمم التي بلغت ذروة الحضارة المادية بالذات – تناقصاً في النسل يهدد بالانقراض ، وتناقصاً في الخصائص الإنسانية يوحى بالنكسة إلى البربرية، وتناقصاً في الذكاء والمستوى العقلي يهدد بانهيار العلم الذي قامت عليه الحضارة، وبانهيار الحضارة ذاتها في النهاية.
وظهرت آثار الكبت للطاقات الأخرى التي لا تحتاج إليها الصناعة بطرائقها الحاضرة، وآثار القلق على المستقبل في المجتمع المادي المتناحر، وآثار الخواء الروحي الذي تفرضه الفلسفات والأوضاع في المدينة الكافرة.. ظهرت آثارها في صورة الأمراض العصبية والعقلية والنفسية والعته والجنون والشذوذ والانحراف والجريمة.
وظهرت آثار التوجيه المتواصل إلى حيوانية الإنسان وماديته وسلبيته، وإطلاق شهواته وغرائزه من كل ضابط.. ظهرت في صورة الانحلال، واللامبالاة، والسلبية، وقبول الديكتاتوريات، وحياة القطيع، التي لا هدف لها إلا السفاد واللقاح والطعام والشراب.
ولا يزال هذا الداء الوبيل- من غلبة الشهوات البهيمية- ينخر في كيان الحضارة المادية، وينتقص من قوتها بسرعة هائلة، والتاريخ يشهد أنه ما سرى هذا الداء في مفاصل أمة، إلا أوردها موارد التلف والفناء. ذلك بأنه يقتل في الإنسان كل ما آتاه الله من القوى العقلية والجسدية لبقائه وتقدمه في هذه الحياة، وأنى للناس ذلك الهدوء وتلك الدعة والسكينة، التي لابد لهم منها لمعالجة أعمال الإنشاء والتعمير، ما دامت تحيط بهم محركات شهوانية من كل جانب، وتكون عواطفهم عرضة أبداً لكل فن جديد من الإغراء والتهييج، ويحيق بهم وسط شديد الاستثارة، قوي التحريض، ويكون الدم في عروقهم في غليان مستمر بتأثير ما حولهم من الأدب الخليع، والصور العارية، والأغاني الماجنة، والأفلام الغرامية، والرقص المثير، والمناظر الجذابة من الجمال الأنثوي العريان، وفرص الاختلاط بالصنف المخالف، بل أنى لهم ولأجيالهم الناشئة أن يجدوا في غمرة هذه المهيجات الجو الهادئ المعتدل الذي لا مندوحة عنه لتنشئة قواهم الفكرية والعقلية، وهم لا يكادون يبلغون الحلم حتى يغتالهم غول الشهوات البهيمية ويستحوذ عليهم، وإذا هم وقعوا بين ذراعي هذا الغول فأنى لهم النجاة منه ومن غوائله وعواديه .
و هكذا أصبحنا نعيش في عالم يحولنا إلى أشياء مادية ومساحات لا تتجاوز عالم الحواس الخمس، إذ تهيمن عليه رؤية مادية للكون ، ولنضرب مثلاً بـ"التي شيرت" (T-Shirt) الذي يرتديه أي طفل أو رجل. إن الرداء الذي كان يُوظَّف في الماضي لستر عورة الإنسان ووقايته من الحر والبرد، وربما للتعبير عن الهوية، قد وُظِّف في حالة "التي شيرت" بحيث أصبح الإنسان مساحة لا خصوصية لها غير متجاوزة لعالم الحواس والطبيعة/المادة.
ثم توظف هذه المساحة في خدمة شركة الكوكاكولا (على سبيل المثال)، وهي عملية توظيف تُفقد المرء هويته وتحيّده بحيث يصبح منتجاً وبائعاً ومستهلكاً، أي أن "التي شيرت" أصبح آلية كامنة من آليات تحويل الإنسان إلى شيء.
وقد اقتحمت النظرة المادية عالم الرياضة ، فيتم "بيع" لاعب مغربي لنادي إيطالي، ولاعب إيطالي لنادي ليبي وهكذا، وكأننا في سوق النخاسة، ولذا بدلا من الانتماء إلى الوطن والقيم يصبح الانتماء إلى المال، المحرك الأول للإنسان الاقتصادي.
إن المادية الحديثة تتميز بكونها معادية للخصوصية.. الخصوصية الغربية والخصوصية الإنسانية، وهذه الحضارة المادية ليست معادية للشرق وحده، بل هي ظاهرة ورؤية أمسكت بتلابيب العالم شرقه وغربه، شماله وجنوبه، ولا يظنن أحد أننا بمأمن منها ومن عدميتها وعدائها للإنسان.
وهكذا فقد كتب على البشرية كلها أن تؤدى الضريبة فادحة صارمة ثقيلة، حروباً رهيبة ضحاياها بالملايين قتلى وجرحى ومشوهين ومعتوهين ومعذبين،وأزمات تلو أزمات.. وأزمات إذا قل الإنتاج، أزمات إذا مال الميزان التجاري إلى العجز ، وأزمات إذا مال الميزان التجاري إلى الزيادة، أزمات إذا نقصت المحصولات ، وأزمات إذا فاضت المحصولات، أزمات إذا قل النسل وأزمات إذا زاد النسل، وتخبط من هنا وتخبط من هناك، وقلق وحيرة واضطراب وعدم استقرار، وضغط على أعصاب الناس لا تطيقه بنيتهم، فيخرون أمواتاً بالسكتة وتفجر المخ، أو يخرون أشلاء أو مجانين.
فالحياة الإنسانية- كما هي سائرة اليوم وكما هي صائرة وفق جميع التقديرات الظاهرة- لا يمكن أن تستمر في طريقها هذا، ولابد لها من تغيير أساسي في القاعدة التي تقوم عليها، تغيير يعصمها من تدمير الإنسان ذاته، بتدمير خصائصه الأساسية ، فالحياة الإنسانية- بداهة- لا تستطيع أن تبقى إذا ما دمرت خصائص الإنسان.
وخط الحياة الحالي يمضى يوماً بعد يوم في تدمير خصائص الإنسان، وتحويله إلى آلة من ناحية، وإلى حيوان من ناحية أخرى.. وإذا كان هذا الخط لم يصل إلى نهايته بعد، وإذا كانت آثار هذه النهاية لم تتضح اتضاحاً كاملاً.. فالذي ظهر منها حتى اليوم، وفى الأمم التي وصلت إلى قمة الحضارة المادية، يشي بتناقص الخصائص الإنسانية وضمورها وتراجعها، بقدر ما يشي بنمو الخصائص الآلية والحيوانية وتضخمها وبروزها..
.. وهذا يكفى..
يكفى لتقرير أن خط الحياة يمضى يوماً بعد يوم في تدمير خصائص الإنسان، ولتقرير أن الحياة الإنسانية لا يمكن- إذن- أن تمضى مع هذا الخط إلى نهايته.. ما لم يكن مقرراً تدميرها نهائياً.. والأمل من رحمة الله يمنع من توقع هذا المصير البائس،ففي كل مرة كانت((الإنسانية)) والخصائص ((الإنسانية)) مهددة تهديداً مدمراً ماحقاً، وقع التحول- بطريق خفية، كثيراً ما كانت مجهولة الأسباب في حينها- وتجنبت البشرية ذلك الدمار((الإنساني))، أما في هذه المرة فالتهديد أشد من كل ما عرفته البشرية من قبل من كل أنواع التهديدات.
وحين نتلفت من حولنا في الماضي والحاضر، وفى المستقبل كذلك، لا نجد الحل المقترح لتجنيب البشرية ذلك الدمار، وللخروج بها من هذه الأزمة الحادة، وللاحتفاظ بـ((الإنسان)) عن طريق الاحتفاظ بخصائصه الإنسانية- احتفاظاً نامياً متجدداً- إلا في التصور الإسلامي، والمنهج الإسلامي، والحياة الإسلامية، والمجتمع الإسلامي.
ومن ثم نعتقد أن قيام المجتمع الإسلامي ضرورة إنسانية، وحتمية فطرية،وأنه إذا لم يقم اليوم فسيقوم غداً، وإذا لم يقم هنا فسيقوم هناك ، ليعصم البشرية من((تدمير الإنسان)) عن طريق تدمير خصائصه الإنسانية، ومن تدمير الحياة الإنسانية التي لا تقوم بغير إنسان محتفظ بخصائصه الإنسانية، في حالة نماء وارتقاء.
...........................................
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الحضارة المادية تدمر الانسان
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى منارة دشنا :: القسم الإسلامي :: إسلاميات-
انتقل الى: