منتدى منارة دشنا



 
الرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 قوادح عقدية فى بوردة البوصيرى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
منحة القاضي
مشرف سابق


انثى

العمر : 50
عدد الرسائل : 913
تاريخ التسجيل : 28/03/2009

مُساهمةموضوع: قوادح عقدية فى بوردة البوصيرى   23/5/2009, 3:33 am



[size=24][size=16]


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن ميميه البوصيري - المعروفة بالبردة - مـن أشـهــــر الـمــدائـح النبوية وأكثرها ذيوعاً وانتشاراً، ولذا تنافس أكثر من مائه شاعر في معارضتها، فضلاً عن الـمـشـطِّرين والمخمِّسين والمسبِّعين، كما أقبل آخرون على شرحها وتدريسها، وقد تجاوزت شروحـهـــــا الـمكتوبة خمـسـيـن شــرحـــــاً، فيها ما هو محلى بماء الذهب! وصار الناس يتدارسونها في البيوت والمساجد كالقرآن.
يـقــول الـدكـتـور زكـي مـبــارك :
وأما أثرها في الدرس، فيتمثل في تلك العناية التي كان يوجهها العلماء الأزهريون إلى عـقـــــد الدروس في يومي الخميس والجمعة لدراسة حاشية الباجوري على البردة، وهي دروس كـانـت تـتـلـقـاهــــا جماهير من الطلاب، وانما كانوا يتخيرون يومي الخميس والجمعة، لأن مـثــل هذا الـــدرس لم يـكـــن من المقررات فكانوا يتخيرون له أوقات الفراغ(1).

وقد أطلق البوصيري على هذه القصيدة البردة من باب المحاكاة والمشاكلة للقصيدة الشهيرة لـكـعـــــب بن زهير - رضي الله عنه - في مدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ؛ فقد اشتهر أن النـبي -صلى الله عليه وسلم- أعطى كعباً بردته حين أنشد القصيدة - إن صح ذلك - (2) فـقــــد ادعى البوصيري - في منامه - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ألقى عليه بردة حين أنشده القصيدة !!

وقد سمى البوصيري هذه القصيدة أيضاً بـ الكواكب الدرية في مدح خير البرية(3). كما أن لهذه البردة اسماً آخـــــر هو الـبرأة ؛ لأن البوصيري كما يزعمون برئ بها من علته، وقد سميت كذلك بقصيدة الشـدائــد ؛ وذلك لأنها - في زعمهم - تقرأ لتفريج الشدائد وتيسير كل أمر عسير.
وقـد زعم بعض شراحها أن لكل بيت من أبياتها فائدة ؛ فبعضها أمان من الفقر، وبعضها أمان من الطاعون(4).

يقــــول محمد سيد كيلاني - أثناء حديثه عن المخالفات الشرعية في شأن البردة -: ولم يكـتـف بعض المسلمين بما اخترعوا من قصص حول البردة، بل وضعوا لقراءتها شروطاً لم يوضــع مثلها لقراءة القرآن، منها : التوضؤ، واستقبال القبلة، والدقة في تصحيح ألفاظها وإعرابـهــــــا، وأن يكون القارئ عالماً بمعانيها، إلى غير ذلك. ولا شك في أن هذا كله من اختراع الصوفـيــة الذين أرادوا احتكار قراءتها للناس، وقد ظهرت منهم فئة عرفت بقراء البردة، كانت تُستدعى في الجنائز والأفراح، نظير أجر معين(5).
وأما عن مناسبة تألـيـفـها فكما قال ناظمها : كنت قد نظمت قصائد في مدح رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثـــم اتفق بعد ذلك أن أصابني خِلْط فالج أبطل نصفي، ففكرت في عمل قصيدتي هذه البردة، فـعـمـلـتـهـــا، واستشفعت بها إلى الله في أن يعافيني، وكررت إنشادها، وبكيت ودعوت، وتوسلت ونمت، فرأيت النبي -صلى الله عليه وسلم-، فمسح على وجهي بيده المباركة، وألقى عليّ بــردة، فـانـتـبـهــت ووجــدت فيّ نهضة ؛ فقمت وخرجت من بيتي، ولم أكن أعلمت بذلك أحداً، فلقيني بعض الفقراء، فقال لي : أريد أن تعطيني القصيدة التي مدحت بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلت : أيّها؟ فقال : التي أنشأتها في مرضك، وذكر أولّها، وقال : والله لقد سمعتها البارحة وهي تنشد بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فرأيت رسول الله -صلى الله عـلـيــــه وسلم-، يتمايل وأعجبته، وألقى على من أنشدها بردة، فأعطيته إياها، وذكــر الفقير ذلك، وشاع المنام(6).
ففي هذه الحادثة تلبّس البوصيري بجملة من المزالق والمآخذ، فهو يستشفع ويتقرب إلى الله - تعالى - بشرك وابتداع وغلو واعتداء - كما سيأتي موضحاً إن شاء الله -.
ثم ادعى أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- دون أن يبيّن نعته ؛ فإن من رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- حسب صفاته المعلومة فقد رآه، فإن الشيطان لا يتمثل بــــه - كما ثبت في الحديث -.
ثـم ادعــى أن النبي في -صلى الله عليه وسلم- مسح على وجهه وألقى عليه بردة، فعوفي من هذا الفالج، فتحققت العافية بعد المنام دون نيل البردة! ثم التقى البوصيري - في عالم اليقظة - بأحد المتصوفة وأخبره بسماع القصيدة بين يدي الرسول صلى الله عليه وسـلــم، وأن الرســــــول -صـلـى الله عليه وسلم- تمايل إعجاباً بالقصيدة، وهذا يذكّرنا بحديث مكذوب بأن النبي -صلــى الله عليه وسلم- تواجد عند سماع أبيات حتى سقطت البردة عن منكبيه وقال: ليس بكريم من لم يتواجد عند ذكر المحبوب.
قال شيخ الإسلام : إن هذا الحديث كذب بإجماع العارفين بسيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسنته وأحواله(7).
وأما عن استجابة دعاء البوصيري مع ما في قصيدته من الطوامَّ، فربما كان لاضطراره وعظم فاقته وشدة إلحاحه السبب في استجابة دعائه.

يقول شيخ الإسلام : ثم سـبـب قـضــــاء حاجة بعض هؤلاء الداعين الأدعية المحرمة أن الرجل منهم قد يكون مضطراً ضرورة لو دعا الله بها مشرك عند وثن لاستجيب له، لصدق توجهه إلى الله، وان كان تحري الدعاء عند الوثن شركاً، ولو استجيب له على يد المتوسل به، صاحب القبر أو غيره لاستغاثته، فـإنــــه يعاقب على ذلك ويهوي به في النار إذا لم يعفُ الله عنه، فكم من عبد دعا دعاء غير مبــاح، فقضيت حاجته في ذلك الدعاء، وكان سبب هلاكه في الدنيا والآخرة(Cool.
وأما عن التعريف بصاحب البردة فهو : محـمــــد بن سعيد البوصيري نسبة إلى بلدته أبو صير بين الفيوم وبني سويف بمصر، ولد سنة 608هـ، واشتغل بالتصوُّف، وعمل كاتباً مع قلة معرفته بصناعة الكتابة، ويظهر من ترجمته وأشعاره أن الناظم لم يكن عالماً فقيهاً، كما لم يكن عابداً صالحاً ؛ حيث كان ممقوتاً عند أهـــــــل زمانه لإطلاق لسانه في الناس بكل قبيح، كما أنه كثير السؤال للناس، ولذا كان يقـف مــــــع ذوي السلطان مؤيداً لهم سواء كانوا على الحق أم على الباطل.
ونافح البوصيري عن الطريقة الشاذلية التي التزم بها، فأنشد أشعاراً في الالتزام بآدابها، كما كانت له أشعار بذيئة يشكو من حال زوجه التي يعجز عن إشباع شهوتها!
توفي البوصيري سنة 695هـ وله ديوان شعر مطبوع(9).
وسنورد جملة من المآخذ على تلك البردة التي قد تعلّق بها كثير من الناس مع ما فيها من الشرك والابتداع. والله حسبنا ونعم الوكيل.
1- يقول البوصيري :
وكيف تدعو إلى الدنيا ضـرورة مـن لـولاه لم تُخرج الدنيا من العدم
ولا يخفى ما في عَجُز هذا البيت من الغلو الشنيع في حق نـبـيـنــا محمد -صلى الله عليه وسلم-، حيث زعم البوصيري أن هذه الدنيا لم توجد إلا لأجله -صلى الله عليه وسلم-، وقد قال - سبحانه: ((ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ)) [الذاريات:56]،
وربما عوّل أولئك الصوفية على الخبر الموضوع : لولاك لما خلقت الأفلاك(10).
2- قال البوصيري :
فاق النبيين في خَلق وفي خُلُق ولـم يـدانــوه في عــلـــم ولا كرم
وكلهم من رسول الله ملتمس غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم
أي أن جميع الأنبياء السابقين قد نالوا والتمسوا من خاتم الأنبيـاء والرسل محمد -صلى الله عليه وسلم-، فالسابق استفاد من اللاحق! فتأمل ذلك وقارن بينه وبين مقالات زنادقة الصوفية كالحلاج القائل : إن للنبي نوراً أزلياً قديماً كان قبل أنــــــه يوجد العالم، ومنه استمد كل علم وعرفان ؛ حيث أمدّ الأنبياء السابقين عليه.. وكذا مقالـة ابن عربي الطائي أن كل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي يأخذ من مشكاة خاتم النبيين(11).
3- ثم قال :
دع ما ادعته النصارى في نـبـيـهم واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - منتقداً هذا البيت : ومن المعلوم أن أنواع الغلو كثيرة، والشرك بحر لا ساحل له، ولا ينحصر في قول النصارى ؛ لأن الأمم أشركوا قبلهم بعبادة الأوثان وأهل الجاهلية كذلك، وليس فيهم من قال في إلهه ما قالت النصارى في الـمـسـيـــح - غالباً - : إنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، بل كلهم معترفون أن آلهتهم ملك لله، لكن عبدوها معه لاعتقادهم أنها تشفع لهم أو تنفعهم فيحتج الجهلة المفتونون بهذه الأبيات على أن قوله في منظومته : دع ما ادعته النصارى في نبيهم مَخْلَصٌ من الغلو بهذا البيت، وهو قد فتح ببيته هذا باب الغلو والشرك لاعتقاده بجهله أن الغلو مقصور على هذه الأقوال الثلاثة(12).
لقد وقع البوصيري وأمثاله من الغلاة في لبس ومغالطة لمعنى حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- : لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مـريـم إنـمــــــــا أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله(13)، فزعموا أن الإطراء المنهي عنه في هذا الحديث هـــــو الإطراء المماثل لإطراء النصارى ابن مريم وما عدا ذلك فهو سائغ مقبول، مع أن آخر الحديث يردّ قولهم ؛ فإن قوله - عليه الصلاة والسلام - : إنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله تقرير للوسطية تجاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهو عبد لا يُعبد، ورسول لا يُكذب، والمبالغة في مدحه تؤول إلى ما وقع فيه النصارى من الغلو في عيسى - عليه السلام -، وبهذا يُعلم أن حرف الكاف في قوله -صلى الله عليه وسلم- : كما أطرت هي كاف التعليل، أي كما بالغت النصارى(14).
ويقول ابن الجوزي - في شرحه لهذا الحديث - : لا يلزم من النهي عن الشيء وقوعه ؛ لأنَّا لا نعلم أحداً ادعى في نبينا ما ادعته النصارى في عيسى - عليه السلام - وإنما سبب النهي فيما لم يظهر ما وقع في حديث معاذ بن جبل لما استأذن في السجود له فامتنع ونهاه ؛ فكأنه خشي أن يبالغ غيره بما هو فوق ذلك فبادر إلى النهي تأكيداً للأمر(15).
4 - وقال أيضاً :
لو ناسبت قــدره آيــاتــه عِظماً أحيا اسمه حين يُدعى دارس الرمم
يقول بعض شرّاح هذه القصيدة : لو ناسبت آياته ومعجزاته عظم قدره عند الله - تعالى - وكل قربه وزلفاه عنده لكان من جملة تلك الآيات أن يحيي الله العظام الرفات ببركة اسمه وحرمة ذكره(16).
يقول الشيخ محمود شكري الآلوسي منكراً هذا البيت : ولا يخفى ما في هذا الكلام من الغلو ؛ فإن من جملة آياته -صلى الله عليه وسلم- القرآن العظيم الشأن ؛ وكيف يحل لمسلم أن يقول : إن القرآن لا يناسب قدر النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل هو منحط عن قدره ثم إن اسم الله الأعظم وسائر أسمائه الحسنى إذا ذكرها الذاكر لها تحيي دارس الرمم؟(17).







[/size][/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.khairna.net/vb/
منحة القاضي
مشرف سابق


انثى

العمر : 50
عدد الرسائل : 913
تاريخ التسجيل : 28/03/2009

مُساهمةموضوع: رد: قوادح عقدية فى بوردة البوصيرى   23/5/2009, 3:40 am














[size=16]


يقول الشيخ محمود شكري الآلوسي منكراً هذا البيت : ولا يخفى ما في هذا الكلام من الغلو ؛ فإن من جملة آياته -صلى الله عليه وسلم- القرآن العظيم الشأن ؛ وكيف يحل لمسلم أن يقول : إن القرآن لا يناسب قدر النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل هو منحط عن قدره ثم إن اسم الله الأعظم وسائر أسمائه الحسنى إذا ذكرها الذاكر لها تحيي دارس الرمم؟(17).
5- وقال أيضا :
لا طيب يعدل ترباً ضم أعظمه طوبى لمنتشق منه وملتثم
فقد جعل البوصيري التراب الذي دفنت فيه عظام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أطيب وأفضل مكان، وأن الجنة والدرجات العلا لمن استنشق هذا التراب أو قبَّله، وفي ذلك من الغلو والإفراط الذي يؤول إلى الشرك البواح، فضلاً عن الابتداع والإحداث في دين الله - تعالى -.
قال شيخ الإسلام - رحمه الله - : واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا يقبله، وهذا كله محافظة على التوحيد(18).
6- ثم قال :
أقسمتُ بالقمر المنشق إنّ له من قلبه نسبةً مبرورة القسم
ومن المعلوم أن الحلف بغير الله - تعالى - من الشرك الأصغر ؛ فعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك(19).
وقال ابن عبد البر - رحمه الله - :لا يجوز الحلف بغير الله - عز وجل - في شيء من الأشياء ولا على حال من الأحوال، وهذا أمر مجتمع عليه... إلى أن قال : أجمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها، لا يجوز الحلف بها لأحد(20).
7- قال البوصيري :
ولا التمست غنى الدارين من يــده إلا استلمت الندى من خير مستلم
فجعل البوصيري غنى الدارين مُلتَمساً من يد النبي -صلى الله عليه وسلم-، مع أن الله - عز وجل - قال : ((ومَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)) [النحل:53]، وقال - سبحانه - : ((فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ)) [العنكبوت:17]، وقال - تعالى - : ((قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ) [يونس:31]، ((قُلِ ادْعُوا الَذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ)) [سبأ:22] .
وأمر الله نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم- أن يبرأ من دعوى هذه الثلاثة المذكورة في قوله - تعالى - : ((قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ ولا أَعْلَمُ الغَيْبَ ولا أَقُولُ لَكُمْ إنِّي مَلَكٌ إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ)) [الأنعام:50].
8- قال البوصيري :
فإن لي ذمة منه بتسمـيـتي محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم
وهذا تخرُّص وكذب ؛ فهل صارت له ذمة عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمجرد أن اسمه موافق لاسمه؟! فما أكثر الزنادقة والمنافقين في هذه الأمة قديماً وحديثاً الذين يتسمون بمحمد!
و يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - تعقيباً على هذا البيت : قوله : فإن لي ذمة... إلى آخره كذب على الله وعلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- فليس بينه وبين اسمه محمد ذمة إلا بالطاعة، لا بمجرد الاشتراك في الاسم مع الشرك(21).
فالاتفاق في الاسم لا ينفع إلا بالموافقة في الدين واتباع السنة(22).
9- وقال البوصيري :
إن لم يـكـن في معادي آخذاً بيدي فضلاً وإلا فقل يا زلة الـقــدم
والشاعر في هذا البيت ينزل الرسول منزلة رب العالمين ؛ إذ مضمونه أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو المسؤول لكشف أعظم الشدائد في اليوم الآخر، فانظر إلى قول الشاعر، وانظر في قوله - تعالى - لنبيه -صلى الله عليه وسلم- : ((قُلْ إنِّي أَخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)) [الزمر:13].
ويزعم بعض المتعصبين للقصيدة أن مراد البوصيري طلب الشفاعة ؛ فلو صح ذلك فالمحذور بحاله، لما تقرر أن طلب الشفاعة من الأموات شرك بدليل قوله - تعالى - : ((ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ ولا يَنفَعُهُمْ ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ ولا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [يونس:18]، فسمى الله - تعالى - اتخاذ الشفعاء شركاً(23).
10- وقال :
يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
يقول الشيخ سليمان بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - تعقيباً على هذا البيت -: فتأمل ما في هذا البيت من الشرك :
منها : أنه نفى أن يكون له ملاذ إذا حلت به الحوادث إلا النبي -صلى الله عليه وسلم-، وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له، فهو الذي ليس للعباد ملاذ إلا هو.
ومنها : أنه دعاه وناداه بالتضرع وإظهار الفاقة والاضطرار إليه، وسأل منه هذه المطالب التي لا تطلب إلا من الله، وذلك هو الشرك في الإلهية(24).
وانتقد الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد ابن عبد الوهاب هذا البيت قائلاً : فعظم البوصيري النبي -صلى الله عليه وسلم- بما يسخطه ويحزنه ؛ فقد اشتد نكيره -صلى الله عليه وسلم- عما هو دون ذلك كما لا يخفى على من له بصيرة في دينه ؛ فقصر هذا الشاعر لياذه على المخلوق دون الخالق الذي لا يستحقه سواه ؛ فإن اللياذ عبادة كالعياذ، وقد ذكر الله عن مؤمني الجن أنهم أنكروا استعاذة الإنس بهم بقوله : ((وأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً)) [الجن: 6]، أي طغياناً، واللياذ يكون لطلب الخير، والعياذ لدفع الشر، فهو سواء في الطلب والهرب(25).
وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني - رحمه الله - عن هذا البيت : فانظر كيف نفى كل ملاذ ما عدا عبد الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وغفل عن ذكر ربه ورب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- . إنا لله وإنا إليه راجعون(26).
11- وقال البوصيري :
ولن يضيق رسول الله جاهك بي إذا الكريم تحلى باسم منتقم
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب : سؤاله منه أن يشفع له في قوله : ولن يضيق رسول الله... إلخ، هذا هو الذي أراده المشركون ممن عبدوهم وهو الجاه والشفاعة عند الله، وذلك هو الشرك، وأيضاً فإن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله فلا معنى لطلبها من غيره ؛ فإن الله - تعالى - هو الذي يأذن للشافع أن يشفع لا أن الشافع يشفع ابتداءاً(27).
12- وقال أيضا :
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
فجعل الدنيا والآخرة من عطاء النبي -صلى الله عليه وسلم- وإفضاله، والجود هو العطاء والإفضال ؛ فمعنى الكلام : أن الدنيا والآخرة له -صلى الله عليه وسلم-، والله - سبحانه وتعالى - يقول : ((وإنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأُولَى)) [الليل:13](28).
وقوله : ومن علومك علم اللوح والقلم. في غاية السقوط والبطلان ؛ فإن مضمون مقالته أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعلم الغيب، وقد قال - سبحانه - : ((قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ الغَيْبَ إلاَّ اللَّهُ)) [النمل:65] وقال - عز وجل - : ((وعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلاَّ هُوَ ويَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ والْبَحْرِ ومَا تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلاَّ يَعْلَمُهَا ولا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يَابِسٍ إلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)) [الأنعام:59]، والآيــات فـي هـذا كثيرة معلومة(29).
وأخـيـراً أدعو كل مسلم عَلِقَ بهذه القصيدة وولع بها أن يشتغل بما ينفع ؛ فإن حق النبي -صلى الله عليه وسلم- إنـمـا يكون بتصديقه فيما أخبر، واتباعه فيما شرع، ومحبته دون إفراط أو تفريط، وأن يشتغلوا بسماع القرآن والسنة والتفقه فيهما ؛ فإن البوصيري وأضرابه استبدلوا إنشاد وسماع هذه القصائد بسماع القرآن والعلم النافع، فوقعوا في مخالفات ظاهرة ومآخذ فاحشة.
وإن كـــان لا بد مـن قـصائد ففي المدائح النبوية التي أنشدها شعراء الصحابة -رضي الله عنهم- كحسان وكعب بن زهير ما يغني ويكفي.
اللهم صلّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ؛ إنك حميد مجيد. (*)
[/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.khairna.net/vb/
المهندس ايمن حسين مرعى
عضو فعال
عضو فعال


ذكر

العمر : 49
عدد الرسائل : 1969
تاريخ التسجيل : 22/11/2008

مُساهمةموضوع: رد: قوادح عقدية فى بوردة البوصيرى   23/5/2009, 7:21 pm

لعل ماقيل صحيح ولكنا نحن نسمعها بقلوبنا وبمحبتنا لرسوله ولن ندافع عن الرجل الا انه فى ذمة الله وحسابه على الله واما نحن فتعالوا نأخذ احسن الحديث كتاب الله وسنته ونأخذ منها ماوافق كتابه وسنة نبية وهى 160بيتا لم يقل فيها القادحون انها كلها كفر وغلو ويكفينا فيها هذا السمو الروحى وانا اكاد اجزم ان كثير من الناس يسمعونها باذن المحب التى تتجاوز عن الخطايا لمن يحب والبرده احبها الناس وعشقتها قلوبهم واذانهم واما التفحيص والتمحيص فقليل من يفهم المعانى كما ارادها الامام البوصيرى ودعونا نقول كلمة انه ليس منزها عن النقض والمراجعة وقد فعلها الشعراوى وكان يسمعها ونحن نقطة فى بحر علمه
وانا ارى ان يستمع الناس الى المدائح خير لنا من التضييق على الناس فى هذا الزمن الملىء بالفتن والاغانى ومدائح الشيطان واهله وللحديث بقية واستأذنكم لصلاة العشاء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
منحة القاضي
مشرف سابق


انثى

العمر : 50
عدد الرسائل : 913
تاريخ التسجيل : 28/03/2009

مُساهمةموضوع: رد: قوادح عقدية فى بوردة البوصيرى   23/5/2009, 9:25 pm

الاخ الفاضل الايمان ماوقر فى القلب وصدقه العمل

وانت قلت نحب الرسول صلى الله عليه وسلم على ماجاء فى الكتاب والسنة
ناخذ منها
هذه اخطاء ليست بسيطة
نحن فقدنا الاندلس ازاى عن طريق الموشحات التى فتن بها الناس
هو مفيش حل وسط ياما غناء وعرى ياما مدائح ومعها الدفوف والاختلاط وما يحدث فى الموالد
قل ان كنتم تحبون الله ورسوله فاتبعونى يحببكم الله
والمتابعة تكون بالاخلاص والعمل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.khairna.net/vb/
منحة القاضي
مشرف سابق


انثى

العمر : 50
عدد الرسائل : 913
تاريخ التسجيل : 28/03/2009

مُساهمةموضوع: مسالة العذر بالجهل فى المسائل الاعتقادية   23/5/2009, 9:43 pm

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعـده ، وعلى آله وصحبه ، أما بعد :

فإن الباعث على كتابة هذه الكلمة هو


بيان مسألة العذر بالجهل في المسائل الاعتقادية

وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على اعتبار الجهل عذراً من الأعذار الشرعية التي يعذر بها المرء ، وتقيل عثرته في حال وقوعه بسببها في الخطأ، سواء كان هذا الخطأ في سواء كان فى المسائل الاعتقادية أوالعملية من صلاة وصوم وزكاة وغيرذلك لا فرق بين ذلك كله،

وهناك خلاف وقع بين العلماء فى مسـألة العذر بالجهل فى مسائل الاعتقاد فذهب جلُّه العلماء إلى اعتبار العذر بالجهل ممن لم تُقَم عليه الحـجَّة ، و ذهب آخرون إلى عدم اعتباره مع أن تفريق الجهل إلى نوعين : جهل في الفروع يعذر وجهل في الأصول لا يعذر ، لا أصل له عند السلف ، وهو باطل يعلم بطلانه من سيـاق أدلة في إثبات شرعية العذر بالجهـل ، حيث اتضح أن الجهل حيثما وجدت أسبابه ودواعيه التي لا يمكن دفعهـــا يعــذر صاحبه ، سواء كان جهله في المسائل الأصولية العقدية أو كان في مسائل الفروع العملية ، قـــول محدث مردود لم يقل به الصحابة ،ولا السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم ، وهو قول مأثور عن المعتزلة وغيــرهم من أهل البدع والأهواء .. وعن بعض ممن تأثر بهم ـ وهو لا يدري ـ من أهل العلمو الأدلَّة الشرعية تشهــد لمذهب الجمهور ، و هم القائلون : يُعذَر الجاهل بجهله في مسائل الاعتقادما لم تبلغه الحجَّة ، و هـذا فيما إذا كان مِثْلُه يجهلها لبُعده عن ديار الإسلام ، أو عدَم من يُعلِّمه ، أو نحو ذلك ، و قــد قرر هذا عدد من الأئمة الأعلام ، كالإمام الشافعي رحمه الله ،

فقد أخرج ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي عن يونس بن عبد الأعلى ، قال : سمعت الشافعي يقول : ( لله أسماء و صفات لا يسع أحدا ردها ، و من خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفـر ، و أما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل ؛لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل و لا الرؤية و الفكر ) و قال ابن عبد البر رحمه الله : ( من جهل بعض الصفات وآمن بسائرها لم يكن بجهل البعض كافرا لأن الكافر من عاند لا من جهل ، و هذا قول المتقدمين من العلماء و من سلك سبيلهم من المتأخرين )[1] ،وقال ابن تيمية: ( و الاستغاثة بالرسول ؛ بمعنى أن يطلب من الرسول ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيها مسلم كما أنه يستغاث بغيره بمعنى أن يطلب منه ما يليق به ، و من نازع في هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به و إما مخطئ ضال و أما بالمعنى الذي نفاه الرسول عليه الصلاة و السلام فهي أيضاً مما يجب نفيها ، و من أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله فهو كافر إذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها )[2] .

الدليل الأول :

قوله تعالى:] وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا[[3]

وجه الاستدلال : الآية تدل على أن من لم تبلغه النذارة فليس بمُنذر،وأن الله لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه ، وقال البغوي : وذلك أن الله تعالــى أجرى السنة أن لا يأخذ أحداً إلا بعد وجود الذنب، وإنما يكون مذنباً إذا أمر فلم يأتمر أو نهي فلم ينته، وذلك بعد إنذار الرسل[4] ا.هـ.ولا عــذاب على كافر أصلاً حتى تبلغه نذارة الرسول فالحجة لاتقوم إلا بعد العلم والبيان .

الدليل الثانى :

قوله تعالى :] رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً[5][ .

وجه الاستدلال:أن الله أنزل كتبه وأرسل رسله بالبشارة والنذارة وبين ما يحبه ويرضاه مما يكرهه ، ويأباه لئلا يبقى لمعتذر عذرإذن المعتذر؛ لأنه لم تبلغه النذارة يُعذر، وسميت المعذرة حجة مع أنه لم يكن لأحد من العباد على الله حجة تنبيهاً على أن هذه المعذرة مقبولة لديه تفضلاً منه ورحمة ، ومعنى قوله ]بَعْدَ الرُّسُلِ [أى بعد إرسال الرسل .

الدليل الثالث :

قوله تعالى :]تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ . قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ[[6] .

وجه الاستدلال : إن الخطاب للداخلين عموماً يقتضي أنهم جميعاً أنذرهم الرسل، ولو تحقق تكليف قبل الشرع لم يكن الأمر كذلكفقوله كلما ألقي فيها فوج ( يعم جميع الأفواج الملقين في النار أي جميع من يدخلون النار من أهل الكفر فالآية تدل على أن الله تعالى لا يعذب بالنار أحداً إلا بعد أن ينذره في الدنيا فكل من يدخل النارمن الكفاريعترف أن نذارة الرسل قد بلغته فقابلها بالرد والإعراض، والجحود .. وأنه دخل النار بعد بلوغ نذارة الرسل إليه ...

الدليل الرابع :

قوله تعالى وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ . قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ ([7] .

وجه الاستدلال: سؤال خزنة جهنم للذين دخلوا النار من الكفار يقتضي أنهم جميعاً أنذرهم الرسل، ولو تحقق تكليف قبل الشرع لم يكن لهذا السؤال معنى.

الدليل الخامس :

قوله تعالى: ]إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِــنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ[8][ .

وجه الاستدلال : قال ابن حزم: فهؤلاء الحواريون الذين أثنى الله عليهم قد قالوا بالجهل لعيسى هل يستطيع ربك أن يُنزل علينا مائدة من السماء ؟! ولم يبطل بذلك إيمانهم وهذا مالا مخلص منه ،وإنما كانوا يكفرون لو قالوا ذلك بعد قيام الحجة وتبيُّنهم لها[9]. فرغم أن الشك في أن الله على كل شيء قدير هو كفر، وكذلك الشك بمصداقية نبي الله ، إلا أن الحوارين لم يكفروا وعذروا بالجهل لحداثة عهدهم بالإسلام وبنبيهم عيسى .

الدليل السادس:

الذين قالوا من بني إسرائـــيل لموسى : ] اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ[10][ .

وجه الاستدلال : الذين قالوا هذا قولهم قول كفري ،ولم يكفرهم موسى،ولم يأمر بقتلهم أو استتابتهم من الردة، وسؤالهم أن يجعل لهم إلهاً مع الله كفر بواح لا شك فيه،رغم هذا قال لهم موســــى uإنكم قوم تجهلون عظمة الله وجلاله ،وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل .

الدليل السابع :

قــوله : ]وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُــونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ[[11].

وجه الاستدلال: قوله) : وسيق الذين كفروا ( يعم كل الذين كفروا ،وهو ظاهر في أن جميع أهل النار قـد أنذرتهم الرسل في دار الدنيا؛ فعصوا أمر ربهم .

الدليل الثامن :

في صحيح سنن الترمذي وغيره، عن واقد الليثي قال : خرجنا مع رسول الله إلى حنين ،ونحن حديثو عهد بكفر، وكانوا أسلموا يوم فتح مكة، قال: فمررنا بشجرة فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فلما قلنا ذلك للنبي قال: الله أكبر، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ] اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون [ لتركبن سنن من كان قبلكم ".

وجه الاستدلال : فرغم أن قولهم قول كفري ،وهو شبيه بقول بني إســرائيل ) اجعل لنا إلهاً ( إلا أنهم لم يكفروا بأعيانهم لجهلهم وحداثة عهدهم بالإسلام.

الدليل التاسع :

حديث الرَّجل الذي أمر أولاده بأن يحرقوه بعد موته، ويلقوانصـف الرماد في البروالآخر في البحر، وقال : لئن قدِر الله علي ليعذبني عذابا ما عذّبه أحداً... فأمر الله الأرض والبحر فجمعتا ما فيهـما فإذا هو قائم فقال له تعالى: ما حملك علىهذا؟ قال: يا رب خشيتك. فغفر له[12].

وجه الاستدلال: قال ابن تيميه: قال شيخ الإسلام رحمه الله: فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذاالتفرق، فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك. وكل واحدٍ من إنكار قدرة الله تعالى،وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقت: كفر لكنه كان مع إيمانه بالله وإيمانه بأمرهوخشيته منه جاهلا بذلك، ضالاً في هذا الظن مخطئاً، فغفر الله له ذلك[13].وقال ابن حزم: فهذا إنسان جهل إلى أن مات أن الله يقدر على جمع رماده وإحيائه، وقد غفر له لإقراره وخوفه وجهله. وقد قال بعض من يحرف الكلم عن مواضعه أن معنى لئن قدر الله علي؛ إنما هو لئن ضيق الله علي، كما قال تعالى: ] وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه [. وهذا تأويل باطل لا يمكن ؛لأنه كان يكون معناه حينئذ لئن ضيق الله علي ليضيقن علي، وأيضاً فلو كان هذا لما كان لأمره بأن يحرق ويذر رماده معنى، ولا شك في أنه إنما أمر بذلك ليفلت من عذاب الله تعالى[14].

وقال ابن القيم: وأما جحد ذلك جهلاً، أو تأويلاً يعذر فيه صاحبه ، فلا يكفر صاحبه به، كحديث الذي جحد قدرة الله عليه، وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح، ومع هذا فقد غفر الله له ورحمه لجهله، إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ عمله، ولم يجحد قدرة الله على إعادته عناداً أو تكذيباً[15] .


الدليل العاشر:

قوله : يَدْرِسُ الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يُدرى ما صيام، ولا صلاة، ولا نسك، ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة، لا إله إلا الله، فنحن نقولها. قال صلة بن زفر لحذيفة – وهو راوي الحديث – ما تغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثاً، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صلة تنجيهم من النار، ثلاثاً )[16].

وجه الاستدلال : لا إله إلا الله تنجيهم ؛لأنهم جهال لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة، وهم يقولون لا إله إلا الله تقليداً وتبعاً لآبائهم .. لأنهم يعيشون في زمان رُفعت فيه الشريعة، واندرست فيه جميع تعاليم الإسلام، حتى شهادة أن محمداً رسول الله.

الدليل الحادى عشر:

عنالأسود بن سريع أن النبي r، قال أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة. فأما الأصم فيقول ربِّ لقد جاء الإسلام ولم أسمع شيئاً، وأما الأحمق فيقول: رب جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، والصبيان يحذفونني بالبعر. وأما الهرم فيقول: رب لقد جاء الإسلام ولم أعقل شيئاً. وأما الذي مات في الفترة. فيقول: رب ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنَّه، فيرسل إليهم: أن ادخلوا النار، فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن لم يدخلها سحب إليها)[17].

وجه الاستدلال : هؤلاء الأربعة جميعهم يحتجون بالجهل، وأنهم كانوا عاجزين عن تحصيل العلم أو الوقوف عليه .. وإن كان جهل كل واحد منهم له سببه المختلف عن الآخر، إلا أن صفة الجهل مشتركة فيما بينهم لعدم تمكنهم من طلب العلم وفهمه أو إدراكه.

فقال: فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضاً وتشهد لها أصول الشريعة وقواعدها، والقول بمضمونها هو مذهب السلف والسنة، نقله عنهم الأشعري رحمه الله في المقالات وغيرها. فإن قيل: قد أنكر ابن عبد البر هذه الأحاديث وقال: أهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب، لأن الآخرة ليست دار عمل ولا دار ابتلاء، وكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أن أهل العلم لم يتفقوا على إنكارها بل ولا أكثرهم وإن أنكرها بعضهم فقد صحح غيره بعضها كما تقدم.

والثاني: أن أبا الحسن الأشعري حكى هذا المذهب عن أهل السنة والحديث، فدل على أنهم ذهبوا إلى موجب هذه الأحاديث.

الثالث: أن إسناد حديث الأسود أجود من كثير من الأحاديث التي يحتج بها في الأحكام.

الرابع: أنه قد نص جماعة من الأئمة على وقوع الامتحان في الدار الآخرة، وقالوا: لا ينقطع التكليف إلا بدخول دار القرار ذكره البيهقي عن غير واحد من السلف.

الخامس: ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد في الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولا إليها، أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه أ ن لا يسأله غير الذي يعطيه، وأنه يخالفه ويسأله غيره، فيقول الله تعالى: ما أغدرك ".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.khairna.net/vb/
منحة القاضي
مشرف سابق


انثى

العمر : 50
عدد الرسائل : 913
تاريخ التسجيل : 28/03/2009

مُساهمةموضوع: رد: قوادح عقدية فى بوردة البوصيرى   23/5/2009, 9:50 pm

السادس: قوله: وليس ذلك في وسع المخلوقين. جوابه من وجهين: أحدهما، أن ذلك ليس تكليفاً بما ليس في الوسع، وإنما هو تكليف بما فيه مشقة شديدة وهو كتكليف بني إسرائيل قتل أولادهم وأزواجهم وآبائهم حين عبدوا العجل، وكتكليف المؤمنين إذا رأوا الدجال ومعه مثال الجنة والنار أن يقعوا في الذي يرونه ناراً. الثاني: إنهم لو أطاعوه ودخلوها لم يضرهم، وكانت برداً وسلاماً، فلم يكلفوا بممتنع ولا بما لم يُستطع.

السابع: إنه قد ثبت أنه يأمرهم في القيامة بالسجود ويحول بين المنافقين وبينه، وهذا تكليف بما ليس في الوسع قطعاً .. كما جعل قطع الصراط الذي هو أدق من الشعرة وأحد من السيف سبباً، كما قال: أبو سعيد الخدري: بلغني أنه أدق من الشعرة وأحد من السيف رواه مسلم. فركوب هذا الصراط الذي هو في غاية المشقة كالنار، ولهذا كلاهما يفضى منه إلى النجاة والله أعلم.

الثامن: إن هذا استبعاد مجرد لا ترد بمثله الأحاديث .. فإن قيل: فالآخرة دار جزاء وليست دار تكليف، يمتحنون في غير دار التكليف؟ فالجواب: إن التكليف إنما ينقطع بعد دخول القرار، وأما في البرزخ وعرصات يوم القيامة فلا ينقطع، وهذا معلوم بالضرورة من الدين من وقوع التكليف بمسألة الملكين في البرزخ وهي تكليف، وأما في عرصة القيامة فقال تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ . فهذا صريح في أن الله يدعو الخلائق إلى السجود يوم القيامة، وأن الكفار يحال بينهم وبين السجود إذ ذاك، ويكون هذا التكليف بما لا يطاق حينئذ حساً عقوبة لهم، لأنهم كلفوا به في الدنيا وهم يطيقونه فلما امتنعوا منه وهو مقدور لهم كلفوا به ،وهم لا يقدرون عليه حسرة عليهم وعقوبة لهم[18].

الدليل الثانى عشر:

وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: والذي نفسي محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار".

وجه الاستدلال : مفهوم الحديث أن من مات ولم يسمع بالرسول ولا بدعوته، فهو ليس من أصحاب النار، حيث له شأن آخر يوم القيامة، كما جاء في حديث صاحب الفترة الذي يقول: ربي ما أتاني لك رسول ". فيرسل له الله تعالى أن ادخل النار فإن دخلها كانت بردً وسلاماً، وإن لم يدخلها سحب إليها.. كما تقدم معنا في الحديث الذي رواه أسود بن سريع عن الأربعة الذين يحتجون يوم القيامة.

الشبهة الأولى : التفريق بين المسائل الفقهية والمسائل العقدية الرد على هذه الشبهة : هذا التفريق في الجهل إلى نوعين، جهل في الفروع يعذر وجهل في الأصول لا يعذر، لا أصل له عند السلف، وهو باطل يعلم بطلانه من سياق الأدلة الآنفة الذكر في إثبات شرعية العذر بالجهل، حيث اتضح أن الجهل حيثما وجدت أسبابه ودواعيه التي لا يمكن دفعها يعذر صاحبه، سواء كان جهله في المسائل الأصولية العقدية أو كان في مسائل الفروع العملية. ومما يُرد به على هذه

الشبهة: 1- أنه قول يعوزه الدليل من الكتاب والسنة، فهذا التقسيم لا يمكن إقراره.

2- أن الأدلة من الكتاب والسنة التي تعذر بالجهل جاءت عامة لجميع أنواع الجهل، من دون تفريق بين جهل وجهل، وتخصيصها بنوع من الجهل دون نوع يحتاج لدليل مخصص فيعذر بالجهل إذا وجدت مبرراته ودواعيه وأسبابه.

3- أن من الأدلة الآنفة الذكر جاءت كدليل صريح على العذر في مسائل الأصول.

4- أنه قول محدث مردود لم يقل به الصحابة ،ولا السلف ، وهو مأثور عن المعتزلة . الشبهة الثانية: قال الذين لايعذرون بالجهل قدقال تعالى: ] وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ[[19]

فهذه الآية عامة فى أن من يشرك مع الله أحداً فحكم الله عليه بالكفر سواء كان جاهلاً أولم يكن جاهلاً فثبت أن الكافر لايعذر بالجهل إن كان جاهلاً. الرد على الشبهة : سلمنا بأن من عبد مع الله غيره لايعذرفهذا صنف من أصناف الجهال فكيف يعمم الحكم على جميع أصناف الجهال؟ أى هذا حكم خاص فى صنف من الجهال الذين عبدوا مع الله غيره ،وليس كل الجهال كذلك ،والجاهل ليس من شأنه أن يبتدع آلهة مع الله فهذا لايناسب مقامه كجاهل بل سيحاسب على تكلفه ما ليس له به علم ،ولا برهان ،

ولكن الآية لم تنص على عذاب من أشرك مع الله غيره بل قال تعالى: ] فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ[ أى سيحاسب على هذا الفعل ،والحساب غير العذاب فإن كان من أهل الأعذاريعذر وإلا يعذب ،وعليكم أن تجمعوا بين النصوص ،والإعمال خير من الإهمال أى أن إعمال دلالة النصوص خير من إهمالها.

الشبهة الثالثة: استدل الذين لايعذرون بالجهل بأحاديث منها: عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال لا ينفعه، إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين )[20]،

وعن زيد بن ثابت قال بينما النبي في حائط لبني النجار على بغلة له ،ونحن معه إذ حادت به فكادت تلقيه وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة قال كذا كان يقول الجريري فقال من يعرف أصحاب هذه الأقبر فقال رجل أنا قال فمتى مات هؤلاء قال ماتوا في الإشراك فقال :إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه ثم أقبل علينا بوجهه فقال تعوذوا بالله من عذاب النار قالوا نعوذ بالله من عذاب النار فقال تعوذوا بالله من عذاب القبر قالوا نعوذ بالله من عذاب القبر قال تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن قالوا نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن قال تعوذوا بالله من فتنة الدجال قالوا نعوذ بالله من فتنة الدجال . رواه مسلم . وعن أنس، أن رجلاً قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار فلما قفا دعاه، فقال: إن أبي وأباك في النار. رواه مسلم . قال الذين لايعذرون بالجهل: دلت الأحاديث أن أهل الفترة قبل البعثة لايعذرون بجهلهم إذن الجاهل لايعذر بالجهل . الرد على الشبهة:قولكم أهل الفترة قبل البعثة لايعذرون بجهلهم حق لكن استدلالكم بهذا على أن الجاهل لايعذر بالجهل باطل ؛لأن أهل الفترة قسمان: قسم تأتي فترتهم من جهة انقطاع الرسل، وطول الفترة بينهم وبين من أرسل إلى من قبلهم، ولكن بلغتهم نذارة الرسل، وهؤلاء ـ رغم انقطاع الرسل عنهم ـ لا يعذرون بالجهل، وهم محجوجون بنذارة الرسل الذين أرسلوا إلى من قبلهم. وقسم آخر تأتي فترتهم من جهة عدم بلوغ نذارة الرسل إليهم .. ومن جهة انقطاع النذارة عنهم .. وهؤلاء هم الذين يعذرون بالجهل، وإن لم يكن بينهم وبين إرسال الرسل فترة طويلة. فالعبرة في اعتبار أهل الفترة المعذورين عدم بلوغ نذارة الرسل وليس طول الفترة بين الرسول والرسول، أو بينهم وبين إرسال الرسول.ومن كان قبل البعثة لاشك أنه من أهل الفترة قال تعالى: ] ُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ[[21] والمراد بالقوم أهل الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام، قاله ابن عباس ومقاتل[22]. لكن أهل الفترة قبل البعثة ليسوا بمعذورين ؛لأن دعوة إبراهيم كانت قد بلغتهم بالجمع بين هذه الأدلة وأدلة العذر بالجهل حتى لايكون هناك تناقض ،والإعمال خير من الإهمال أى إعمال دلالة النصوص خير من إهمالها،والمتأمل فيما استدل به الذين لايعذرون بالجهل يرى ذلك فقول النبى: لا ينفعه، إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين فيه دليل أن دعوة الرسل قد بلغنه ،وإن كان من أهل الفترة فنذارة الرسل قبل نبينا ـ وبخاصة إبراهيم ـ قد بلغته؛ لأن هذه الكلمات التي ألزمه بها النبي وعلل عذابه بسبب أنه لم يقلها لا يمكن لابن جدعان أن يعرفها إلا عن طريق الرسل. و كان ينبغي أن يقول تلك الكلمات وأمثالها .. لكنه أبى وأعرض واستكبر .. فحق عليه العذاب بسبب ذلك. وقدجاء في السيرة عن زيد بن عمرو بن نفيل، وكان قد فارق دين قومه فاعتزل الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تذبح على الأوثان، ونهى عن قتل المؤودة، وقد بادى قومه بعيب ما هم عليه. وكان يقول: يا معشر قريش، والذي نفسي زيد بن عمرو بيده ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري، ثم يقول: اللهم لو أني أعلم أي الوجوه أحب إليك عبدتك به، ولكني لا أعلمه، ثم يسجد على راحته[23] فحجتنا قوله تعالى:] وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا[[24]

فأهل الجاهلية الذين ماتوا قبل بعثته عليه الصلاة والسلام معذبون بشركهم وكفرهم، وذلك يدل على أنهم ليسوا من أهل الفترة الذين لم تبلغهم دعوة نبي ، إذ لو كانوا كذلك لم يستحقوا العذاب .

قال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله: الجهلُ نوعان: جهلٌ يُعذر فيه الإنسان، وجهلٌ لا يعذر فيه مما كان ناشئـاً عن تفريطٍ وإهمالٍ مع قيام المقتضيللتعلُّم، فإنه لا يعذر فيه، سواء في الكفر أو في المعاصي. وما كان ناشئاًعن خلاف ذلك، أي: أنه لم يُهمل ولم يُفرط ولم يقم المقتضي للتعلم، بأن كان لميطرأ على باله أنَّ هذا الشيءَ حرامٌ فإنه يعذر فيه، فإن كان منتسباً للإسلام لميضرّه. وإن كان منتسباً إلى الكفر: فهو كافرٌ في الدنيا ، لكن في الآخرة أمره إلىالله،وعلى القول الراجح يمتحن، فإنْ أطاع دخل الجنَّة ،وإن عصى دخل النَّار،فعلـى هذا من نشأ بباديةٍ بعيدةٍ ليس عنده علماء، ولم يخطـر بباله أنَّ هذاالشيءَ حرامٌ ، أو أنَّ هذا الشيءَ واجبٌ فهذا يعذر... وأما من كان بالعكس كالساكن في المدن يستطيع أن يسأل لكنه عنده تهاونٌ وغفلةٌ: فهذا لا يعذر، لأنَّالغالب في المدن أنَّ هذه الأحكام لا تخفى عليه، ويوجد فيها علماء يستطيع أنْيسألهم بكلِّ سهولة، فهو مفرِّطٌ فيلزمه القضاء، ولا يعذر بالجهل[25].

القَدْر الذي تقوم به الحجة على الكافرهو الحـد الذي به يندفع جهل الكافر بنذارة الرسل ، ويحقق عنـده العلم بحجة ونذارة الرسل. فحيثما يتمكن من العلم ـ على وجه الإجمال ـ بدعوة الرسل ... والغاية التـي أرسلـوا لأجلها .. فقد أقيمت عليه الحجة، ورُفع عنه العذر بالجهل، وهو محاسب على ما يقع فيه مــن تقصير وتفريط. فلو بلغه من العلم ـ عن أي طريق ـ أن محمداً بن عبد الله هو رسول الله للعالمين، قـد أرســله الله تعالى بالتوحيد ونبذ الشرك والتنديد .. لكفى بهذا القدر لقيام الحجة عليه من جهة نــذارة الرسل كما في الحديث الذي يرويه مسلم بسنده عن أبي هريرة، عن رسول الله أنه قال:" والذي نفـس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار". فدل الحديث على أن من سمع بالنبي ـ مجرد سماع ـ بأنه رسول الله للعالمــين، وبدعوته إلى التوحيد التي جاء بها من عند ربه .. ثم لم يؤمن به وبما جاء به .. إلا حق عليه العــذاب، وكان من أصحاب النار. قال ابن حزم: فإنما أوجب النبي الإيمان به على من سمع بأمره ، فكـل من كان في أقاصي الجنوب والشمال والمشرق، وجزائر البحور، والمغرب، وأغفال الأرض من أهل الـشرك، فسمع بذكره ففُرض عليه البحث عن حــاله وإعلامه والإيمان به. أما من لم يبلغه ذكره فإن كـان موحداً فهو مؤمن على الفطرة الأولى صحيح الإيمان، لا عذاب عليه في الآخرة، وهو من أهل الجنة، وإن كان غير موحد فهو من الـذين جاء النص بأنه يوقد له يوم القيامة نار، فيؤمرون بالدخول فيهــا ، فمن دخلها نجا، ومن أبى هلك[26]. ومن شروط صحة قيام الحجة ، أن تصل الحجة المحجوج أو المخـالف بلغة يفهمها حتى يفهم مدلولات الحجة وما هو المراد منها. فلو قيـل بالعربية لأعجمي لا يفقه شيئاً من العربية: آمن أنه لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وأن القرآن كلام الله، وأن البعث والنشور حق .. فهو لا يدرك ولا يفهم ماذا يُطلب منه، ومثله مثل الأصم الذي لا يسمع، ومن كان كذلك لا يسقط عنه العذر بالجهل، ولا يصح أن يقال قد أقيمت عليه الحجة ؛ لأننا بعملنا هذا لم نوجد عنده الاستطاعة على فهم الحجة مما قيل له .. ولم ننفي عنه بذلك فيما هو فيه من العجز عن إدراك مراد الشارع وما قيل له .. وإذا عدمت الاستطاعة ،وتحقق العجز رُفع التكليف، وسقطت المؤاخذة.وليس من شروط قيام الحجة فقهها أو التزامها، إذ يكفـي لقيام الحجة على المحجوج أن تصله بلغة يفهم مدلولات الخطاب ،وما يراد منه، سواء عقل الخطاب وفقهه والتزمه أو أنه لم يعقله ولم يفقهه .. إذ يوجد فرق بين فهـم الخطاب وبين فقه والتزام الخطاب والفهـم الذي به تقوم الحجة هو فهم الخطاب، من حيث دلالاته اللغوية ، وخلوه مما يمنع من ذلك .. لا الفهـــم لحقيقة الخطاب الذي يؤدي بصاحبه إلى الالتزام والاقتناع، إذ لا سبيل إلى ذلك إلا ما شاء الله له الهداية وشرح صدره للإسلام. المعلوم من الدين بالضرورة هو الذي لا يسع مسلماً جهله لنشوئه في دار الإسلام كتحريم المحارم في النكاح، ووجوب الصلوات الخمس، وصوم رمضان، ونحو ذلك ،ولكن يجب العلـم أن هذه المسألة نسبية ، وأن ما قد يكون معلوماً بالضرورة عند أناس لا يكون معلوماً عند آخرين لغلبة الجهل بالحق، ونشوء التأويل الفاسد من كثير من العلماء فكم من عالم أفتى بجواز دعاء غير الله، والتحاكم إلى غير شريعته والذبــح والنذر لغيره ، وبجواز شرب أنواع من الخمر، وجواز النظر إلى الصور العارية، وجواز القبلة للأجنبية، وحــل أكل أنواع الربا، وجواز حلق اللحية ونحو ذلك إلى ممـــا هو في الأصل داخل تحت المعلوم من الدين ضرورة لكثرة النصوص فيه، وتناقل الناس العلم به جيلاً بعد جيل ،ولذلك فالتعجـــل بالحكم بالكفر على من جهل ذلك إثم عظيم،

وكذلك لا يجوز إقامة الحد والتعزير لمن فعل شيئاً من ذلك جاهلاً أو متأولاً بل كل ذلك لا يجوز إلا بعد البيان عملاً بهذه القاعدة : (الجاهل معذور) (ولا مؤاخذة إلا بعد العلم).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.khairna.net/vb/
محمدالاميرأبوعبدالله
عضو فعال
عضو فعال


ذكر

العمر : 33
عدد الرسائل : 705
تاريخ التسجيل : 24/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: قوادح عقدية فى بوردة البوصيرى   24/5/2009, 6:06 pm

موضوع مهم جدا
شكرا لكِ أختي الغالية الاستاذة / منحة القاضي
جزاك الله عني خيراً
ملحوظة : مُِدحت من أخ لي ببعض الابيات للبوصيري
وكانت أبيات غاية في الروعة
تقبلي مروري المتواضع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد عباس
عضو جديد
عضو جديد


ذكر

العمر : 47
عدد الرسائل : 88
تاريخ التسجيل : 22/05/2009

مُساهمةموضوع: رد: قوادح عقدية فى بوردة البوصيرى   24/5/2009, 10:47 pm

شكرا للاخت الفاضلة على هذا الموضوع القيم والمفيد وقد بح صوتنا من مخاطبة الناس صحح عقيدتك وقد قال اهل السلف قديما لا يغرنك كثرة التابعين فقد كثر الهالكين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المهندس ايمن حسين مرعى
عضو فعال
عضو فعال


ذكر

العمر : 49
عدد الرسائل : 1969
تاريخ التسجيل : 22/11/2008

مُساهمةموضوع: رد: قوادح عقدية فى بوردة البوصيرى   25/5/2009, 1:32 am

مع الشعراوي والبردة
ومما يتذكره الشيخ العطواني بشأن البردة أن الشيخ الشعراوي كان يحب أن يستمع لإنشادها، وكان حجة فيها من كثرة ما قرأها وسمعها بتمعن وتيقن، حتى إنه طلب منه استبدال كلمات بعض الأبيات؛ لتزداد حسنا، ويضرب أمثلة على ذلك، منها أن البوصيري كان يقول:
فاق النبيُ في خُلُق وفي خَلْق *** ولم يدانوه في عِلم ولا كرم
فطلب الشيخ الشعراوي أن تعدل لتصبح هكذا:
تاج النبي في خلق وفي خلق*** وهم روافده في العلم والكرم
وكان البوصيري يقول عنه صلى الله عليه وسلم:
كأنه وهو فرد من جلالته *** في عسكر حين تلقاه وفي حشم
فطلب فضيلته أن تكون:
كأنه وهو فرد من مهابته *** في عسكر حين تلقاه وفي حشم
كذلك يقول البوصيري:
لا طيب يعدل تربا ضم أعظمه *** طوبى لمنتشق منه وملتئم
فقال الشيخ:
يا طيب مقصورة في قصر برزخه *** طوبى لمنتشق منه وملتئم
وكذلك يقول البوصيري:
وقدّمتك جميع الأنبياء بها *** والرسل تقديم مخدوم على خدم
فطالب الشيخ بأن تكون:
وقدمتك جميع الأنبياء بها *** مبشرين بأبهى نعمة النعم
كما أن فضيلة الشيخ الشعراوي قد أضاف بيتا منه في خاتمة البردة يقول فيه:
وأجزِ البوصيري خيرا حيث شرفنا *** بمدح أحمد أبهى نعمة النعم
لقد كان للشيخ العطواني قصة وحكاية مع البردة، ويرى أن أعظم ما أفاد منها تعظيم ذات الله سبحانه والخشوع أمامها، وألا يمدح أو يطلب رضا أحد من الناس بعد مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والله ارحم الشيخ الشعراوى وارحم امواتنا جميعا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابو جنيدى
عضو فعال
عضو فعال


ذكر

العمر : 38
عدد الرسائل : 238
تاريخ التسجيل : 25/04/2009

مُساهمةموضوع: رد: قوادح عقدية فى بوردة البوصيرى   25/5/2009, 4:08 am


  • بارك الله فيكى اختنا الفاضله منحة القاضى وجزاكى الله خيرا على هذا الموضع الرئع بجد واحنا على طول مبنشفش منك الى المواضيع الجميله الشيقه ربنا يكرمك وديما فى المقدمه بالجديد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
منحة القاضي
مشرف سابق


انثى

العمر : 50
عدد الرسائل : 913
تاريخ التسجيل : 28/03/2009

مُساهمةموضوع: رد: قوادح عقدية فى بوردة البوصيرى   25/5/2009, 10:23 am

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الاخ الفاضل انا لم اتكلم عن البردة الا فى الجانب العقدى الذى عرف الشيخ الشعرواى رحمه الله معناه وصححه ولكن هل من يغنيها يغير فى المعنى الاصلى

الاخ عباس الدنيا والمسلمون لايزالون بخير الرسول صلى الله عليه وسلم يقول الخير فى وفى امتى الى يوم القيامة

وقال من قال هلك الناس فهوا اهلكهم او هالكهم او كما قال صلى الله عليه وسلم
واحتسب ما تقوله لوجه الله ومن دخل فى مجال الدعوة لابد ان يصبر

كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم وتذكر انت حالك كيف كنت وكنا
الدعوة تتطلب العلم والصبر واللين والاحتساب
لان الناس ممكن تسمع منك للصبح كلام فى الفقه او السيرة او تجويد لكن دروس العقيدة وتصحيحها صعب على النفس لان هناك الكثير من العادات فى الدين تربينا عليها واعتقدنا انها الصواب ويصعب علينا تغيرها

ارجو كل واحد متمسك بشىء يصبر ويقرا وبينه وبين مايعتقدة كتاب الله وسنة رسوله ربنا يقول ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله

وجزاكم الله كل خير
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.khairna.net/vb/
 
قوادح عقدية فى بوردة البوصيرى
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى منارة دشنا :: القسم الإسلامي :: إسلاميات-
انتقل الى: