منتدى منارة دشنا



 
الرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 فليتك تحلو والحياة مريرة *** وليتك ترضى والأنام غضاب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المهندس ايمن حسين مرعى
عضو فعال
عضو فعال


ذكر

العمر : 49
عدد الرسائل : 1969
تاريخ التسجيل : 22/11/2008

مُساهمةموضوع: فليتك تحلو والحياة مريرة *** وليتك ترضى والأنام غضاب   6/8/2009, 4:15 am

يقول الشيخ الغزالي ‬شارحًا ومتأملاً ‬في ‬حكم ابن عطاء الله ما يلى :

يقول ابن عطاء الله*:‬

*»‬أصل كل معصية وغفلة وشهوة: ‬الرضا عن النفس، ‬وأصل كل طاعة ويقظة وعفة: ‬عدم الرضا عنها. ‬ولأن تصحب جاهلاً ‬لا ‬يرضى عن نفسه خيرٌ ‬لك من أن تصحب عالمًا ‬يرضى ‬عن نفسه! ‬فأي ‬علم لعالم ‬يرضى ‬عن نفسه؟ وأي ‬جهل لجاهل لا ‬يرضى عن نفسه؟!«‬

ويشرحها الغزالى فيقول:‬

لا ‬يبحث عن الشفاء ‬إلا من أحس المرض . ‬أما من أُصيب بعلة فلم ‬يشعر بها ولم ‬يستشف منها، ‬فإن جراثيمها تستشرى في ‬أوصاله حتى تأتي ‬عليه.‬

وكذلك النفس الإنسانية لا ‬يطلب لها العافية إلا من أدرك ما بها من ادواء، ‬والشعور بالنقص أول مراحل الكمال.‬

وقد قال الله تعالى على ‬لسان نبى الله يوسف (‬وما أبرئ نفسي ‬إن النفس لأمّارة بالسوء إلا ما رحم ربي ‬إن ربي ‬غفور رحيم) ‬يوسف* ‬53*.‬

فإذا وجدت امرأً ‬راضيًا عن نفسه فافقد منه الأمل، ‬لأنه ‬ينطوي ‬على ‬ركام من العيوب والنقائص وهو لا ‬يلتمس الخلاص منها، ‬بل إنه فاقد الشعور بوضاعتها.‬

وهيهات لمثل هذا اكتمال أو نجاة.‬

والعلم النظري ‬لا ‬يرفع قدر أصحابه، ‬فأي ‬قيمة لشخص ‬يختزن في ‬رأسه قدرًا من المعلومات ولكن نفسه طافحة بآثام لم تعالج، ‬وخشونة لم تهذَّب. ‬ثم هو ـ مع ما ‬يختزن من معرفة ـ لا ‬يدري ‬أنه عليل.‬

مثل هؤلاء ‬يكون علمهم آفة ‬يقوي ‬جهالاتهم ولا ‬يزيلها، ‬ويغرهم بما أتوا بدلاً ‬من أن ‬يزيل من أنفسهم ما ‬يسوؤها.‬

وأفضل من هؤلاء رجل قليل المعرفة وعميق الإخلاص، ‬كثير التفتيش عن عيوبه، ‬مجتهد في تزكية نفسه، ‬وترقية أحواله، ‬إن هذا أرجى ‬عاقبة وأرقى ‬عاجلة من العلماء الكبار إذا رضوا عن أنفسهم، ‬وغفلوا عن إصلاحها..‬

ويقول صاحب الحكم:‬

لا ترحل من كون إلى ‬كون فتكون كحمار الرحى، ‬يسير والمكان الذي ‬ارتحل ‬إليه هو الذي ‬ارتحل منه، ‬ولكن ارحل من الأكوان إلى ‬المكوِّن (‬وإن إلى ‬ربك المنتهى) ‬النجم ‬42 - ‬وانظر إلى ‬قوله صلى الله عليه وسلم : (‬فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ‬ومن كانت هجرته إلى* ‬دنيا* ‬يصيبها أو امرأة ‬ينكحها فهجرته إلى ‬ما هاجر إليه) ‬فافهم قوله عليه الصلاة والسلام، ‬وتأمَّل في ‬هذا الأمر ‬إن كنت ذا فهم)‬

ويشرحها شيخنا بقوله:‬

قال الله تعالى »‬والسماء بنيناها بأيدٍ ‬وإنا لموسعون❊ ‬والأرض فرشناها فنعم الماهدون❊ ‬ومن كل شيء‬خلقنا زوجين لعلكم تذكرون❊ ‬ففروا إلى ‬الله إني ‬لكم منه نذير مبين❊ ‬ولا تجعلوا مع الله إلهًا آخر ‬إني ‬لكم منه نذير مبين« ‬الذاريات: ‬47 ‬ـ ‬51.‬

هذه ‬آيات خمس، ‬الثلاثة الأولى منها وصفت الأكوان، ‬علوها وسفلها وما انبثّ ‬فيها من حياة وأحياء، ‬والاثنتان الأخريان انتقلتا من الأكوان إلى ‬المكون فتحدثتا عن وجوده ثم ‬توحيده.‬

ولفت ‬الناس هنا إلى ‬الله، ‬جاء ‬بصيغة عجيبة (‬ففروا إلى ‬الله....) ‬وهذا الفرار إنما ‬يكون مما ‬يُحذر ويُخاف.‬

والحق أن الانحصار في ‬الكون والاحتباس بين مظاهره فواحش عقلية ونفسية، ‬لا ‬يرضاها لنفسه أريب.‬

إن من له أدنى مسكة ‬يعرف ـ من العالمين ـ رب العالمين، ‬ويعرف ـ من الأكوان ـ صاحب هذه الأكوان!!‬

إن هذا الملكوت الضخم الفخم من بدائع ذراته إلى روائع مجراته، ‬شاهد ‬غير مكذوب على ‬أن له خالقًا أكبر وأجل..‬

وإنها لجهالة أن ‬يغمط هذا الإله العظيم حقه، ‬وإنها لنذالة أن ‬يوجد بشرٌ ‬ينكره ويسفَه عليه.‬

ولكن: (‬خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين) ‬النحل ‬4.‬

والعاقل ‬ينظر في ‬الكون فيتعلم منه تسبيح الله وتحميده، ‬ويستنتج من قوانين الحياة وأحوال الأحياء ما ‬يستحقه المولى الأعلى من أسماء حسنى، ‬وصفات عظمى.‬

والناس صنفان: ‬صنف ‬يعرف المادة وحدها ويجهل ما وراءها، ‬ولا نتحدث الآن مع هؤلاء..‬

وصنف مؤمن بالله مصدق بلقائه، ‬ولكنه هائم في ‬بيداء الحياة ذاهل وراء ‬مطالب العيش، ‬مستغرق المشاعر بين شتى المظاهر، ‬فهو لا ‬يكاد ‬يتصل بسر الوجود، ‬أو ‬يتمحض لرب العالمين.‬

ومع هذا الصنف المؤمن نقف لنرسل الحديث..‬

هناك قوم لا تخلص لله معاملاتهم، ‬بل هي ‬مشوبة بحظوظ النفس ورغبات العاجلة، ‬وهؤلاء ‬لن ‬يتجاوزوا أماكنهم ما بقيت نياتهم مدخولة، ‬حتى إذا شرعت أفئدتهم تصفو بدءوا المسير إلى الأمام.‬

وهناك قوم ‬يعاملون الله وهم مشغولون بأجره عن وجهه، ‬أو بمطالبهم منه عن الذي ‬ينبغي ‬له منهم، ‬وهؤلاء ‬ينتقلون عن أنفسهم من طريق ليعودوا إليها عن طريق أخرى!‬

إنهم مقيدون بسلاسل مثبتة مع أنانيتهم، ‬فهم ‬يسيرون ولكن حولها، ‬لو حسنت معرفتهم لله ما حجبتهم عنه رغبات مادية ولا معنوية، ‬بل لطغى عليهم الشعور به، ‬وبما ‬يجب له وتخطوا كل شئ ‬دونه، ‬فلم ‬يهدءوا إلا في ‬سا حته، ‬ولم ‬يطمئنوا إلا لما ‬يرضيه هو جل شأنه .
يقول أبي ‬فراس:‬

فليتك تحلو والحياة مريرة❊❊ ‬وليتك ترضى والأنام ‬غضاب

وليت الذي ‬بيني ‬وبينك عامرٌ❊❊ ‬وبيني ‬وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين❊❊ ‬وكل الذي ‬فوق التراب تراب

وابن عطا ‬ءالله ‬يرى ‬أن العامة ‬يترددون بين مآربهم، ‬كحركة بندول الساعة، ‬لا تتجاوز موضعها على ‬طول السعي، ‬أو هم، ‬على ‬حد تعبيره، ‬كحمار الرحى: ‬ينتقل من كون إلى ‬كون، ‬والمكان الذي ‬ارتحل إليه هو الذي ‬ارتحل منه.‬

والواجب على ‬المؤمن أن ‬يقصد وجه الله قصدًا، ‬وأن ‬يتقصى تقصيًا عن ألوف الأربطة التي ‬تشده إلى ‬الدنيا، ‬وتخلد به إلى ‬الأرض!!«
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
فليتك تحلو والحياة مريرة *** وليتك ترضى والأنام غضاب
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى منارة دشنا :: القسم الإسلامي :: إسلاميات-
انتقل الى: