منتدى منارة دشنا
الإمام أحمد بن حنبل GWGt0-n1M5_651305796
منتدى منارة دشنا
الإمام أحمد بن حنبل GWGt0-n1M5_651305796
منتدى منارة دشنا
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.



 
الرئيسيةأحدث الصورالتسجيلدخول

 

 الإمام أحمد بن حنبل

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابن السمطا
عضو جديد
عضو جديد
ابن السمطا


ذكر

العمر : 40
عدد الرسائل : 65
تاريخ التسجيل : 28/11/2015

الإمام أحمد بن حنبل Empty
مُساهمةموضوع: الإمام أحمد بن حنبل   الإمام أحمد بن حنبل I_icon_minitime11/1/2020, 10:02 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله جعل الحمد أولَ كتابه، وآخِرَ دعوى ساكني دار ثوابه، فهو شعار أهل الجنة، وأول ما فغر به آدم فمه، وافتتح به كَلِمَه، فحَمْد اللهِ خير ما افتتح به الأقوالَ قبل افتتاحها، كما بُديء بالنعمة قبل استحقاقها. فسبحانه وتعالى لا يُستفتح بأفضل من اسمه كلام، ولا يُستنجح بأحسن من صُنعه مرام، فحمدي له حمد عبدٍ بخطئه معترف، ومن فيض فضل ربه مغترف، يتردد حمدي مع أنفاس الصدور، ويتكرر تكرُّر لحظات العيون، به تُستنزل الرحمة وتُستكشف الغمة، أحمده ولا حمد إلَّا دون نعمائه، وأُمَجِّده بأكرم صفاته وأشرف أسمائه، وأصلِّي على رسوله الدَّاعي إلى الدين القويم، التالي للقرآن العظيم، المنتظَر في دعوة إبراهيم نبيًّا، المبشِّر به عيسى قومَه مَلِيًّا، المطرَّز اسمه على ألوية الدين، المقرَّب منزلته وآدم بين الماء والطين، ذلك هو سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، صلوات الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه الأنصار منهم والمهاجرين، وسلَّم عليه وعليهم أجمعين، وبعد، فيقول العبد المقصِّر الضعيف، الملتجئ إلى مولاه القويّ اللطيف، ابن آل بحر الشريف نسبًا، السمطي مولدًا، الأشعري عقيدة، المالكي مذهبًا، نظر الله إليه بعين لطفه العظيم، وغفر له ولوالديه وذريته، ورزقهم سعادة الدارين: 
إن قِوَام الدين بالعلماء، وثبات الشرع بالفقهاء، فلولاهم لما عُرف حلال من حرام، ولا حقٌّ من باطل، ولا أمرٌ من نَهْي، ولا ناسخٌ من منسوخ، ولا مجمَلٌ من مبيَّن، ولا مباحٌ من سُنّة، ولا سُنّة من بدعة، ولا فرضٌ من نفْل، ولا صدقٌ من كَذِب، ولا نبيٌّ من مُتَنبٍّ، ولا إمامٌ من أنام، فهم صفوة الخلق، وشهود الله على الحق، وأحقُّ الناس بالإكرام والكرامه، فإنه لما ظهرت البدع ونشأت الفِرَق التي حذرَنا منها النبي صلى الله عليه وسلم وأمَرَنا بالتمسك بما كان عليه صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده، فقد سخر الله من عباده الصالحين من العلماء الأتقياء في كل مكان وزمان من يدعون إلى السنة ويبينونها للناس، ويردّون البدعة ويحذرون منها. ومن هؤلاء العلماء الذين بذلوا مُهَجهم ونذروا أوقاتهم لهذا الواجب العظيم، الامام الرابع وهو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيّان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذُهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان. فهو من ولد شيبان بن ذُهل بن ثعلبة، وكانت أم أحمد شيبانية أيضًا.
 قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : «سمعت أبي يقول: وُلدت في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومئة في بغداد». وروي عنه أيضًا أنه قال: سمعت أبي يقول: «قدمت بي أمي حاملًا من خراسان، وولدت سنة أربع وستين ومئة». وكانت أسرة أحمد بن حنبل وأسرة أمه تنزل بتلك المدينة لأن أصل أسرة أحمد بن حنبل من البصرة، فقد عرف بأنه "البصري"، ويُروى أن أحمد بن حنبل كان إذا جاء البصرة صلى في مسجد مازن، وهم من بني شيبان، فقيل له في ذلك فقال: «إنه مسجد آبائي». ولكن مقام أسرة أحمد بن حنبل لم يستمر بالبصرة، بل إن جده حنبل بن هلال انتقل إلى خراسان، وكان واليًا على سرخس في العهد الأموي، ولما ظهرت الدعوة العباسية في الأفق عاون دعاتها وانضم إلى صفوفهم حتى أوذي في هذا السبيل. أما أبو أحمد فهو محمد بن حنبل، و قيل إنه كان قائدًا، فقد روي عن الأصمعي أنه قال: «أبو عبد الله أحمد بن حنبل من ذُهل، وكان أبوه قائدًا». وقال ابن الجزري: «كان أبوه في زي الغزاة» وللإمام أحمد ثلاثة أعمام: وهم عبد الله وعمر وإسحاق.
روي أن الوالي داود بن بسطام قال: أبطأتْ عليَّ أخبار بغداد، فوجَّهت إلى عم أبي عبد الله بن حنبل: «لم تَصِل إلينا الأخبار اليوم»، وكنت أريد أن أحرِّرها وأوصلها إلى الخليفة، فقال لي: «قد بعثت بها مع أحمد ابن أخي»، قال: فبعث عمّه فأحضر أبا عبد الله وهو غلام، فقال: «أليس بعثتُ معك الأخبار»، قال: «نعم»، قال: «فلأي شيء لم توصلها؟»، قال: «أنا كنت أرفع تلك الأخبار! رميت بها في الماء». فجعل ابن بسطام يسترجع ويقول: «هذا غلام يتورّع، فكيف نحن؟.
لم يتزوّج أحمد إلا بعد سن الأربعين، تزوج أولًا بامرأة تسمى عباسة بنت الفضل، فلم يولد له منها سوى صالح، وعاشت معه عشرين سنة، ثم توفيت، ثم تزوج بعدها ريحانة، فما ولدت له سوى عبدالله، وعاشت معه سبع سنوات، ولما توفيت أم عبدالله اشترى أحمد جارية تسمى حُسن، فولدت له أمَّ عليّ زينب، والحسن والحسين توءمان وماتا بالقرب من ولادتهما، ثم ولدت الحسن ومحمدًا فعاشا نحو الأربعين يومًا، ثم ولدت بعدهما سعيدًا قبل موت الإمام أحمد بخمسين يومًا، فكبر سعيد وتفقّه، ومات قبل أخيه عبدالله.
قال أبو عفيف: إن أبا عبد الله أحمد بن حنبل كان في الكُتّاب معنا وهو غُلَيّم نعرف فضله، وكان الخليفة بالرَّقَّة، فيكتب الناس إلى منازلهم الكتب، فيبعث نساؤهم إلى المعلم: ابعث إلينا بأحمد بن حنبل، ليكتب لهم جواب كتبهم، فيبعثه، فكان يجيء إليهن مطأطئ الرأس فيكتب جواب كتبهم، فربما أملينَ عليه الشيء من المنكر فلا يكتبه لهنّ.
طلب الإمام أحمد العلمَ وهو ابن خمس عشرة سنةً، وطاف في البلاد، وسمع من علماء عصره، وكانوا يجلّونه ويحترمونه في حال سماعه منهم؛ كان بين الإمامين أحمد والشافعي رحمهما الله محبة ومودة وإجلال، ولأجل ذلك يزور أحدهما الآخر، فقيل للشافعي في ذلك، فأنشد:  
قالوا يزورك أحمدٌ وتزوره *** قلتُ الزّيارة كلها من أجله
إنْ زرتُه فلفضله أو زارني *** فبفضله فالفضل في الحالين له
 فأجابه أحمد بقوله:
إن زُرتَنا فبفضلٍ منك تمنحنا *** أو نحن زُرنا فللفضل الذي فيكا
 فلا عَدِمنا كلا الفضلين منك ولا *** نال الذي يتمنى فيك شانيكا
 قال عبدالله بن أحمد: قال لي أبي: خذ أيّ كتاب شئت من كتب وكيع من المصنف، فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتى أخبرك بالإسناد، وإن شئت بالإسناد حتى أخبرك أنا بالكلام.
بدأ الإمام أحمد في تأليف المسند بعد عودته من رحلته لشيخه عبدالرزاق بن همام عالم اليمن عام مائتين من الهجرة، كان الإمام أحمد في السادسة والثلاثين من عمره، ويحتوي المسند على نحو من ثلاثين ألف حديث، رواها الإمام أحمد عن مائتين وثلاث وثمانين شيخًا. وقال: هذا الكتاب جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف وخمسين ألفًا، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فارجعوا إليه، فإن وجدتموه فيه، وإلا فليس بحجة.
قال الإمام أحمد: حججت خمس حجج؛ منها ثلاثٌ راجلًا، أنفقت في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهمًا، قال: وقد ضللت في بعض هذه الحجج عن الطريق وأنا ماش، فجعلت أقول: يا عباد الله، دلّوني على الطريق، فلم أزل أقول ذلك حتى وقفت على الطريق.
قال إسماعيل بن عُلَيَّة: كان يجتمع في مجلس أحمد نحو خمسة آلاف أو يزيدون، نحو خمسمائة يكتبون، والباقون يتعلمون منه حُسن الأدب والسمت.
قال القاضي محمد بن محمد بن إدريس الشافعي: قال لي أحمد: أبوك أحد الستة الذين أدعو لهم سَحَرًا.
وقال علي بن أبي فزارة: كانت أمي مُقعَدة (مشلولة) نحو عشرين سنة، فقالت لي يومًا: اذهب إلى أحمد بن حنبل فسله أن يدعو الله لي، فمضيت فدققت عليه الباب، فقال: من هذا؟ فقلت: رجل من أهل ذلك الجانب، سألتني أمّي وهي كبيرة السن مقعدة، أن أسألك أن تدعو الله لها. فسمعتُ كلامه كلامَ رجل مغضَب، وقال: نحن أحوج أن تدعو الله لنا. فولّيت منصرفًا، فخرجتْ عجوزٌ من داره، فقالت: أنت الذي كلمتَ أبا عبدالله؟ قلت: نعم، قالت: قد تركتُه يدعو الله لها. قال: فجئتُ من فوري إلى البيت، فدققت الباب، فخرجتْ على رجليها تمشي حتى فتحت لي الباب، وقالت: قد وهب الله لي العافية.
قال الإمام أحمد بن حنبل: تبيّنت الإجابة في دعوتين: دعوت الله ألّا يجمع بيني وبين المأمون، ودعوته ألّا أرى المتوكل؛ فلم أر المأمون، مات بالبذندون (قرية)، وبقي أحمد محبوسًا بالرقة حتى بويع المعتصم إثر موت أخيه، فرُدّ أحمد إلى بغداد، وأما المتوكل فإنه نوّه بذكر الإمام أحمد، والتمس الاجتماع به، فلما أن حضر أحمد دار الخلافة بسامراء ليحدث ولد المتوكل ويبرك عليه، جلس له المتوكل في طاقة، حتى نظر هو وأمه منها إلى أحمد، ولم يره أحمد.
قال محمد بن موسى بن حماد الزيدي: حُمل إلى الحسن بن عبدالعزيز الجروي ميراثه من مصر مائة ألف دينار، فحمل إلى أحمد بن حنبل ثلاثة أكياس في كل كيس ألف دينار، فقال: يا أبا عبدالله، هذه ميراث حلال، فخذها فاستعن بها على عائلتك. فقال: لا حاجة لي فيها، أنا في كفاية. فردها ولم يقبل منها شيئًا.
وقال المرُّوذي: قلت لأحمد: كيف أصبحت؟ قال: كيف أصبحَ من ربّه يطالبه بأداء الفرائض، ونبيّه يطالبه بأداء السنّة، والملكان يطلبانه بتصحيح العمل، ونفسه تطالبه بهواها، وإبليس يطالبه بالفحشاء، وملك الموت يراقب قبض روحه، وعياله يطالبونه بالنفقة؟!
وقال الإمام الشافعي: خرجتُ من بغداد، فما خلّفت بها رجلًا أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقى من أحمد بن حنبل.
وقال أبو عمر ابن النحاس وذكر أحمد يومًا فقال: رحمه الله، في الدّين ما كان أبصره! وعن الدنيا ما كان أصبره! وفي الزهد ما كان أخبَره! وبالصالحين ما كان ألحَقَه! وبالماضين ما كان أَشْبَهَه! عرضت له الدنيا فأباها، والبدع فنفاها.
طلب الحديث وهو ابن ست عشره سنة على الأكثر، وما زال يطلب الحديث حتى مات, وقد رؤي على كبر سنه وفي يده دواة وكاغد يكتب به وهو يركض بين الشيوخ, فقال له قائل : يا أحمد هذا على كبر سنك؟ قال: نعم , مع المحبرة إلى المقبرة.
وكان حسن الصورة، حسن الوجه، رَبْعة بين الرجال ليس بالطويل ولا بالقصير، وهو إلى الطول أمْيَل, يخضب بالحناء وفي لحيته شعرات سود بعد كبره. كان أسمر شديد السُّمرة، غليظ الثياب، إلا أن ثيابه كانت بيضاء شديدة البياض، وكان مَهِيبا، إذا رآه انسان هابه وامتنع عن كثير مما يريد أن يقول، حتى إن يزيد بن هارون كان إمامًا عالمًا محدثًا صاحب نُكتة ودُعابة، فربما مزح فضحك الطلاب، فلمّا علم بعد ذلك أن أحمد كان في مجلسه قال ألا أخبرتموني أن أحمد كان بيننا؟ وغضب عليهم. وفي إحدى المرات قال كلمة فضحك الطلبة، فتنحنح الإمام أحمد، فلما نظر إليه خجل منه واستحى .
ودخل عليه عمّـه وكان الإمام أحمد حزينًا، فقال عمّـه: ماذا بك ؟ فقال الإمام أحمد: طوبى لمن أخمل الله ذكره.
وقال أيضًا: أريد أن أكون في شِعب مكـة حتى لا أُعـرف.
وكان إذا أراد أن يمشي يكره أن يتبعه أحدٌ من الناس.
وروي عن الإمام الشافعي أيضًا أنه قال: «ما رأيت أعقل من أحمد بن حنبل وسليمان بن داود الهاشمي».
وقال معاصره علي بن المديني: «ليس فينا أحفظ من أبي عبد الله بن حنبل».
وقال أيضًا: «أعرف أبا عبد الله منذ خمسين سنة وهو يزداد خيرًا».
قال الإمام بن حنبل: «كنت أذاكر وكيعًا بحديث الثوري، فكان إذا صلى العشاء خرج من المسجد إلى منزله، فكنت أذاكره، فربما ذكر تسعة أحاديث أو العشرة فأحفظها، فإذا دخل قال لي أصحاب الحديث: أمل علينا، فأمليها عليهم فيكتبونها».
اتصف أحمد بن حنبل بالصبر والجلد وقوة الاحتمال، وهذه هي أبرز صفاته، وهي التي أذاعت ذكره ونشرت خبره، فجمع بها بين الفقر والجود والعفة وعزة النفس والإباء، وبين العفو واحتمال الأذى.
ولما استغل المعتزلة (المأمون) الخليفة العباسي أبا جعفر عبد الله بن هارون الرشيد، واتخذوه أداة لنشر ضلالتهم، وترويج بدعتهم، فزينوا له القول بخلق القرآن، فصار إلى مقالتهم، وحمل الناس عليها، وأكرههم على اعتناقها، وكان قبل ذلك مترددًا في الدعوة إلى إظهار هذه البدعة، وحَمْل الناس عليها، ربما كان ذلك لأنه يراقب بقايا الشيوخ الذين لهم مكانة في نفوس الناس، لكنه في آخر أيامه عزم على إظهار هذا القول وإكراه الناس عليه.
فكتب إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم كتابًا يأمره فيه بامتحان القضاة والعلماء بالقول بخلق القرآن، وأن يرسل إليه جماعة منهم عيَّنهم بكتابه، فبعث بهم إسحاق إلى المأمون بالرقة، فامتحنهم بخلق القرآن، فأجابوه إلى ذلك، وأظهروا موافقته وهم كارهون، فردّهم إلى بغداد، وأمر بإشهار ذلك بين الفقهاء، وقد فعل نائبه ونفذ أمره، ثم كتب المأمون إلى إسحاق -أيضًا- بكتاب ثان يستدل به -كما يقول ابن كثير- على القول بخلق القرآن بشُبَه من الدلائل لا تحقيق تحتها ولا حاصل لها، بل هي من المتشابه، وأورد من القرآن آيات هي حجّة عليه، وأمر نائبه أن يقرأ الكتاب على الناس، ويدعوهم إليه، وإلى القول بخلق القرآن.
فأحضر إسحاق جماعة من الأئمة منهم الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- وقرأ عليهم الكتاب، ثم بدأ يمتحنهم رجلًا رجلًا، إلى أن وصلت النوبة إلى الإمام أحمد:
فقال له: أتقول إن القرآن مخلوق؟
فقال: القرآن كلام الله لا أزيد على هذا.
فقال له: ما تقول في هذه الرقعة ؟
فقال: أقول: {ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير}
فقال رجل من المعتزلة: إنه يقول: سميع بأذن، بصير بعين. فقال له إسحاق: ما أردت بقولك: سميع بصير؟
فقال: أردت منها ما أراده الله منها، وهو كما وصف نفسه، ولا أزيد على ذلك.
فكتب أجوبة القوم، وبعث بها إلى المأمون، وكان من الحاضرين من أجاب إلى القول بخلق القرآن مصانعة مكرهًا.
ثم ورد كتاب المأمون إلى نائبه أن يمتحنهم -أيضًا- فمن أجاب منهم شهر أمره في الناس، ومن لم يُجب منهم يُبعث إليه مقيدًا محتفظًا به.
فأحضرهم إسحاق، وأخبرهم بما أمر به الخليفة، فأجاب القوم كلهم إلّا أربعة هم: أحمد بن حنبل، وسجادة، والقواريري ومحمد بن نوح، فأمر بهم إسحاق فشُدوا في الحديد. فلما كان من الغد دعاهم وهم مقيدون، فامتحنهم، فأجاب سجادة والقواريري، فأطلقهما، وأصر الإمام أحمد، ومحمد بن نوح على قولهما، فشُدا بالحديد ووُجِّها إلى طرسوس، وكتب كتابًا بإرسالهما إليه.
يقول الإمام أحمد رحمه الله: "وكنت أدعو الله ألّا يُريني وجهه -يعني المأمون- وذلك أنه بلغني أنه كان يقول: لئن وقعت عيني على أحمد لأقطعنه إربًا إربًا" .
فاستجاب الله دعاءه، ومات المأمون وهما في طريقهما إليه سنة مائتين وثماني عشرة من الهجرة، فأما محمد بن نوح فمات في الطريق، وصلى عليه الإمام أحمد ودفنه.
وأما الإمام أحمد فرُدّ مقيدًا إلى بغداد -بعد خبر وفاة المأمون وتولِّي المعتصم- في سفينة مع بعض الأسرى، وكان في أمر عظيم من الأذى، ثم أُودع السجن نحوًا من ثمانية وعشرين شهرًا، وقيل: نيفًا وثلاثين شهرًا، ثم أُخرج للضرب بين يدي المعتصم، وكان ذلك بعد مناظرات مع المعتزلة: ابن أبي دؤاد وجَمْعٍ من أصحابه، بحضور الخليفة، وقد أثبت خلالها -رحمه الله- تغلُّبه عليهم، ودمغهم بالحجج المدعمة بنصوص الكتاب والسنة، التي تهاوت أمامها جميع إلزاماتهم، فلم تقم لهم معه حجة، مما جعلهم -ومن خلال هذه المناظرات- يلجؤون إلى أسلوب آخر، أسلوب العجز، الذي ينتهجه عادة أعداء الإسلام عندما تتساقط أدلتهم أثناء النقاش فلجؤوا إلى تحريف قوله، وتحريض الخليفة عليه، ونسبته إلى الضلال والابتداع، وأنه حلال الدم.
ويظهر ذلك من قولهم فيما بينهم أثناء المناظرة: "يا أمير المؤمنين: أكْفَرَنا وأكْفَرَك".
وقول الإمام أحمد رحمه الله: "يا أمير المؤمنين ما أعطوني شيئًا من كتاب الله ولا سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأقول به".
وقول ابن أبي دؤاد: "هو واللهِ يا أمير المؤمنين ضالٌ مضلٌّ مبتدع".
وبعد ما لاقاه أبو عبد الله من صنوف الأذى وأنواع التعذيب وخيبة أمل بطانة الخليفة، أُعيد -رحمه الله- إلى منزله.
يقول حنبل بن إسحاق: "فلم يزل أبو عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه بعد أن أطلقه المعتصم، وانقضى أمر المحنة وبرأ من ضربه، يحضر الجمعة والجماعة، ويُفتي ويحدث أصحابه، حتى مات أبو إسحاق، وولي هارون ابنه، وهو الذي يُدعى الواثق. . . "
فحسّن له ابن أبي دؤاد امتحان الناس بخلق القرآن، ففعل ذلك ولم يتعرض للإمام أحمد، لكنه أرسل له بأن لا يساكنه بأرض، ولا يأتيه ولا يجتمع به أحد، فاختفى -رحمه الله- بقية حياة الواثق.
ورغم ما ناله -رحمه الله- كما مر في أيام المأمون، ثم المعتصم، ثم الواثق، وما أصابه من الحبس الطويل، والضرب الشديد، والتهديد والوعيد بالقتل، إلا أنه قابل ذلك كله بالصبر ورجاء الثواب من عند الله والتمسك بالكتاب والسنة وما عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان.
إلى أن تولى المتوكل، فأظهر الله به السنة وأعز أهلها، وقمع البدعة وأذلّ أهلها، فكتب إلى الآفاق بالمنع من الكلام في القول بخلق القرآن، ووجّه الفقهاء والمحدثين بالجلوس للناس، وأن يحدثوا بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة والجهمية، وأرسل إلى نائبه ببغداد أن يبعث بأحمد بن حنبل إليه، فاستدعاه وأكرمه وأجله لما يعلمه من مكانته عند الخليفة المتوكل وأخبره بطلب الخليفة، فاعتل الإمام أحمد بضعفه وكبره، ولكن المتوكل أكد على حضوره إليه، وبعث إليه بكتاب مفاده أنه يريد الإنس به وبقربه.
فخرج الإمام أحمد من بغداد إلى الخليفة المتوكل، وعند وصوله أكرمه إكرامًا عظيمًا يستحقه، لكنه اعتبر ذلك ابتلاء وامتحانًا له أيضًا، فكان لا يقبل ما يُغدق به الخليفة عليه، ويقول: "سَلِمت منهم طول عمري، ثم ابتُليت بهم في آخِره".
فلما رأوا منه عدم قبول الترف وملاذّ الدنيا أذِنُوا له بالرجوع إلى بغداد، وكان الخليفة يوفد إليه في أمور تقع له يشاوره فيها، ويسأل عنه ويطمئن عليه، إلى أن توفي رحمه الله رحمة واسعة.
توفي الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه سنة إحدى و أربعين ومائتين، وعاش سبعًا وسبعين سنة، ودُفن بمقبرة باب حرب بالجانب الغربي من بغداد، وقد دُفن في هذه المقبرة كثير من العلماء والصالحين منهم أحمد بن حنبل، وبشر الحافي ومما ذكرهم ابن الجوزي في المنتظم عدد غير قليل ممن دفنوا بباب حرب عند قبر أحمد بن حنبل، ومنهم منصور بن عمار وأبو بكر الخطيب و الحسن بن عبد الله بن أحمد وأحمد بن جعفر وعبد الواحد بن عبد العزيز الحنبلي وغيرهم، و نُسب إليها طائفة كبيرة من أهل العلم ببغداد. وذكر عددًا كثيرا ممن دُفن، فيقال قرب قبر الإمام أحمد بن حنبل. وذكر أسماء من دُفن في مقبرة باب حرب يطيل.
وتنسب باب حرب إلى أحد قواد أبي جعفر المنصور، وكان يتولى شرطة بغداد، وهو"حرب بن عبد الله البلخي" وموقع باب حرب هو الربض الواقع شمال غربي المدينة المدورة غربي الكاظمية، وحاليًّا يقول أهل بغداد إنه لما علا الفيضان بنهر دجله عام ألف وتسعمائة وسبعة وثلاثون بسبب الفيضان نُقل رفات الإمام إلى مسجد عارف آغا اللآلآت في شارع الرشيد في منطقة الحيدر خانة والله أعلم. ولتعلم أخي في الله بان اعتقاد هؤلاء الأئمة الأربعة وغيرهم من الأئمة الأعلام هو ما نطق به الكتاب وتحدثت به السنة، وما كان عليه الصحابة والتابعون من سلف الأمة، ولم يكن بين هؤلاء الأئمة أي خلاف في المعتقد وأصول الدين، وإنما وقع الخلاف بينهم في بعض فروع الشريعة وجزئياتها. والحمدلله.
{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}
ابن السمطا من آل بحر من نسل عيسى بن خلف بن بحر الشهير برحمة من نسل الحسين بن علي رضي الله عنه، وأم الحسين هي السيدة البتول فاطمة الزهراء بنت سيدنا وحبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الإمام أحمد بن حنبل
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» الإمام العارف بالله أبو العلمين أحمد الرفاعي
» الإمام البخاري
» الإمام الحسن البصري
» الإمام سفيان الثوري
» الإمام الشافعي

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى منارة دشنا :: القسم الإسلامي :: إسلاميات-
انتقل الى: